فإن كانت الكبيرة فيها حدٌ في الدنيا (كشرب الخمر والسرقة والقذف والزنا والحرابة) فأقيم الحد على فاعلها كان كفارة لذنبه، وإن لم يكن فيها حدٌ (كالكذب وعقوق الوالدين) أو كان فيها حدٌ ولم يُقَم على فاعلها (لكونه استتر بذنبه ولم يُرفع للقاضي أو لتعذر إقامته كما في هذه الأزمنة) فهذا إن مات بلا توبة فهو في المشيئة، إن شاء الله غفر له وإلا عذبه بقدر ذنبه في النار ثم يخرج منها إلى الجنة بما معه من أصل الإيمان. كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام - في أهل الكبائر - (ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كَفّارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم سَتَره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه) [1] . وكونه في المشيئة في الآخرة يدل على أنه غير كافر، لقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء: 48، وأما دخوله النار بذنوبه إن لم يشأ الله أن يغفرها له فيدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام (ليصيبنّ أقوامًا سفعٌ من النار بذنوب أصابوها عقوبةً، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم الجَهَنَّميين) [2] ، وأما دخوله الجنة بعد النار فبما معه من أصل الإيمان المنجي من الكفر كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يُخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لايُشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود) [3] .
فهذه الذنوب المُفَسِّقة - من ترك واجب أو فعل محرم - لا يكفر فاعلها إلا إذا جحد الواجب أو استحل المحرم، وقد سبق بيان معنى الجحد والاستحلال وأن مرجعها إلى التكذيب بالنصوص الشرعية، ولهذا يكفر الجاحد للواجب وإن فعله كما يكفر المستحل للحرام وإن لم يفعله. وإنما لم يكفر فاعل هذه الذنوب بمجرد فعلها لأنها لاتخل بأصل الإيمان فإذا أضاف إليها الجحد أو الاستحلال أخلّ بأصل الإيمان فصار كافرًا. وقد لخص الشيخ حافظ حكمي معتقد أهل السنة في ذلك بقوله نظمًا:
ولا نُكفِّر بالمعاصي مؤمنًا ... .. ... إلا مع استحلاله لما جنى
قال الشيخ حافظ في شرح هذا البيت:] (ولا نكفر بالمعاصي) التي قدمنا ذكرها وأنها لاتوجب كُفرًا، والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك ولاتستلزمه ولاتنافي اعتقاد القلب ولا عمله، (مؤمنا) مُقرًا بتحريمها معتقدًا له، مؤمنا بالحدود المترتبة عليها، ولكن نقول يفسق بفعلها ويقام عليه الحد بارتكابها وينقص إيمانه بقدر ما تجارأ عليه منها. - إلى أن قال - إلا مع استحلاله لما جنى هذه هي المسألة الخامسة وهو أن عامل الكبيرة يكفر باستحلاله إياها، بل يكفر بمجرد اعتقاده بتحليل ما حَرَّم الله ورسوله لو لم يعمل به، لأنه حينئذ يكون مكذبًا بالكتاب ومكذبا بالرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك كفر بالكتاب والسنة والإجماع، فمن جحد أمرًا مجمعًا عليه معلومًا من الدين بالضرورة فلاشك في كفره [[4] .
وقد دلّ على ماذكرنا - من اشتراط الجحد أو الاستحلال للتكفير بالذنوب غير المكفرة - إجماع الصحابة على أن
(1) الحديث متفق عليه، واللفظ للبخاري (حديث 18)
(2) رواه البخاري عن أنس (7450)
(3) الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة (7437)
(4) (معارج القبول) 2/ 438، ط السلفية