وتأمل قوله (وإن كان مُقِرًا) لتعلم أن الإقرار بالوجوب لايمنع من التكفير بالذنوب المكفرة، ومثل هذا ماقاله القاضي عياض رحمه الله] وكذلك نُكَفِّر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر من كافر وإن كان صاحبه مُصرِّحًا بالإسلام مع فعِله ذلك الفعل، كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلها بزيِّهم من شد الزنانير وفَحصْ الرءوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لايوجد إلا من كافر، وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صَرَّح فاعلها بالإسلام [[1] . وهناك سقط لايستقيم الكلام بدونه فقال (لايصدر من كافر) والصواب (لا يصدر إلا من كافر) كما يدل عليه آخر كلامه. ومعنى (فحص الرءوس) أي حلق أوساطها وهو من شعائر أهل الكتاب حينئذ. ونقل ابن حجر عن الشيخ تقي الدين السبكي الإجماع على تكفير من سجد للصنم ونحوه ممن لاتصريح بالجحود فيه وإن كان معتقدًا للإسلام إجمالا عاملًا بالواجبات [2] .
والخلاصة: أن ماذكرناه من نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة قد دل على أن من أتى بذنب ٍ مُكفِّر (من قول أو فعل أو ترك ثبت كفر فاعله) فإنه يكفر بذلك دون تقييد كفره باشتراط الجحد أو الاستحلال. وقد سبق أن بيّنا اتفاق أهل السنة والمرجئة من الفقهاء والأشاعرة والجهمية على هذا الحكم، إلا أن الجهمية - في أحد قوليهم - قالوا: يجوز أن يكون مؤمنا في الباطن، وهذا القول كُفْر منهم. ولم يشذ عن هذا الحكم إلا طائفة من غلاة المرجئة قالوا: وإن فعل الكفر لايكفر إلا بالجحد، وبقولهم هذا يقول كثير من المعاصرين، وقائل هذا لم يختلف السلف في تكفيره لأنه رَدّ نصوص الشارع الحاكمة بكفر من قال الكفر أو فعله. هذا ما يتعلق بالقسم الأول من الذنوب، وهى الذنوب المكفرة المضادة لأصل الإيمان.
ثانيا: القسم الثاني: الذنوب المُفَسِّقة غير المكفرة، وهى الكبائر التي فيها حدٌ في الدنيا أو وعيدٌ في الآخرة، ولم يرد النص بكُفر فاعلها ولايُعاقب فاعلها بعقوبة المرتد، وهذه الذنوب تُخِل بالإيمان الواجب ولذلك ففاعلها من أهل الوعيد ولاتُخل بأصل الإيمان ولذلك لايكفر فاعلها. وهى نوعان:
أ - ترك واجب من الواجبات الداخلة في الإيمان الواجب: كترك الجهاد في سبيل الله إذا تعيّن فهذه كبيرة للوعيد الوارد فيها لقوله تعالى (إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) التوبة: 39، وكترك الصدق في القول والوعد، وكترك بر الوالدين، ونحوها من الواجبات.
ب - فعل مُحرم يُخل بالإيمان الواجب: كشرب الخمر والزنا والسرقة وأكل الربا والكذب والغيبة والنميمة ونحوها من الكبائر.
فكل من أتى بذنب ٍ من هذه فهو فاسق من أهل الوعيد لايكفر، ويُسمى الفاسق المِلِّي أي أنه مع فسقه فهو مازال من أهل ملة الإسلام لم يخرج عنهم، وذلك بما معه من أصل الإيمان، تمييزًا له عن الفاسق فسقًا أكبر مخرجًا من الملة إذ إن كل كافر فاسق كما قال تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) الكهف: 50، ونحوها من الآيات.
(1) (الشفا) ج 2 ص 1072 - 1073، ط الحلبي بتحقيق البجاوي
(2) انظر (فتح الباري) 12/ 299 - 300