فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 1285

ح - ومن الأدلة على ما ذكرنا: تكفير الصحابة لمن شهد أن مسيلمة رسول الله دون أن يقولوا له هل أنت جاحد ومستحل أم لا؟. وقد ورد هذا في حق نفر من بني حنيفة - وهم قوم مسيلمة الكذاب - أعلنوا توبتهم بعد قتال الصحابة لهم ومقتل مسيلمة، وانتقل هؤلاء النفر للإقامة بالكوفة وأميرها عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وذلك في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان لهم مسجد في ناحيتهم فقال مؤذنهم في أذانه إنه يشهد أن مسيلمة رسول الله، فحكم الصحابة بردتهم بهذا. وخبرهم رواه البخاري معلقًا مختصرًا في أول كتاب الكفالة من صحيحه، فقال رحمه الله] وقال جرير والأشعث لعبدالله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وكفِّلْهم، فتابوا وكفلهم عشائرهم [. قال ابن حجر في شرحه] وهذا أيضا مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: صليت الغداة مع عبدالله بن مسعود فلما سَلَّم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة فسمع مؤذن عبدالله بن النَّوَّاحة يشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال عبدالله: عَلَيّ بابن النواحة وأصحابه فجيء بهم، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنق ابن النواحة، ثم استشار الناس في أولئك النفر، فأشار عليه عدي بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث فقالا: بل استتبهم وكَفِّلهم عشائرهم، فتابوا وكَفَّلهم عشائرهم وروي ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانت مائة وسبعين رجلًا [[1] . وكان ما قاله مؤذنهم بغير نكير منهم ولهذا حكم الصحابة بردتهم كما في رواية أبي داود (إني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة) ، ولم يستفسر الصحابة منهم هل هم جاحدون أو مستحلون أم لا؟. وإنما استتابهم الصحابة دون ابن النواحة، لأنه كان رسولًا من مسيلمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأقر بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام ونبوة مسيلمة فقال عليه الصلاة والسلام (لولا أن الرسل لاتقتل لضربت أعناقكما) [2] . فلم يمنع النبي عليه الصلاة والسلام من قتله إلا كونه رسولًا، فلما جيء به إلى ابن مسعود قتله، كما في رواية أبي داود عن حارثة بن مُضرب أنه أتى عبدالله فقال: مابيني وبين أحدٍ من العرب حِنَةٌ وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبدالله، فجيء بهم فاستتابهم، غير ابن النَّواحة قال له: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول «لولا أنك رسول لضربت عنقك» فأنت اليوم لست برسول، فأمر قَرظَة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق. ومعنى (حِنَة) أي عداوة.

ط - وهذا الذي دلّت عليه النصوص وإجماع الصحابة مِنْ أن مَنْ أتى بذنب ٍ مكفر كَفَر دون نظر في جحد أو استحلال هو مذهب أهل السنة الذي أجمعوا عليه، كما قال ابن تيمية رحمه الله] إنْ سَبَّ الله أو سَبَّ رسوله كَفَر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل. وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه - وهو أحد الأئمة يُعْدَل بالشافعي وأحمد: قد أجمع المسلمون أن مَنْ سَبَّ الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئًا مما أنزل الله أو قتل نبيًا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مُقرًا بما أنزل الله [[3] .

(1) (فتح الباري) 4/ 469 - 470

(2) حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود عن نعيم بن مسعود

(3) (الصارم المسلول) ص 512

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت