فتلقّفوه ونقلوه في كتبهم ولهذا لم يعرف كثير من المعاصرين غير هذا القول، فنقله النووي في شرح مسلم، وقال ابن حجر في شرح حديث أبي هريرة السابق] وإنما أطلق الكفر في أول القصة ليشمل الصنفين: فهو في حق من جحد حقيقة، وفي حق الآخرين مجاز تغليبا [[1] . وذهب فريق إلى أن الصحابة كفروهم لأنهم جحدوا الزكاة [2] ، ولم يثبت عن الصحابة أنهم تكلموا في مسألة الجحد أو الإقرار بالوجوب في حق مانعي الزكاة وتعليق الحكم عليهم بذلك. فهذه كما قال ابن تيمية: فروع فاسدة لم تنقل عن الصحابة. فتأمل هذا تعرف مخالفة كثير من المتأخرين لما كان عليه السلف، كما قال ابن تيمية]وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كل قول من تلك الأقوال سائغًا لم يخالف إجماعا، لأن كثيرًا من أصول المتأخرين مُحدَث مُبتدع في الإسلام مسبوق بإجماع السلف على خلافه، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعا [[3] ، وبهذا تعلم أن اختلاف المتأخرين في تكفير مانع الزكاة - بعد إجماع الصحابة عليه - لااعتبار له، وهو كاختلاف المتأخرين في تكفير تارك الصلاة بعد إجماع الصحابة على تكفيره.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن عمر لم يوافق أبابكر في تكفير مانعي الزكاة بدليل أنه رَدّ السَّبْي إليهم في خلافته [4] ، وهذا خطأ، فإن رَدّ السبي لايدل على مخالفة عمر لأبي بكر في تكفير مانعي الزكاة، بدليل أنه رَدّ سبي غيرهم من المرتدين كقوم مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي، فهل خالف عمر في كُفْر هؤلاء؟، بل الصواب في هذا ماذكره ابن تيمية في (منهاج السنة) أن عمر ردّ السبي لسائر المرتدين من العرب بسبب توبتهم ورجوعهم إلى الإسلام. قال ابن تيمية]وأهل الردة كان قد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على أنهم لايُمَكَّنون من ركوب الخيل ولا حمل السلاح، بل يُتركون يتبعون أذناب البقر، حتى يُري الله خليفة رسوله والمؤمنين حُسن إسلامهم. فلما تبيّن لعمر حُسن إسلامهم ردّ ذلك إليهم، لأنه جائز [[5] . ونقل ابن جرير الطبري رحمه الله أن عمر ردّ السبي في خلافته لتعظيم أمر العرب، فقال]فلما وَليَ عمر رحمه الله قال: إنه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضًا، وقد وسَّع الله وفتح الأعاجم. واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام إلا امرأة ولدت لسيدها، وجعل فِداء كل إنسان سبعة أبعرة وستة أبعرة، إلا حَنِيفة كِنْدة فإنه خفّف عنهم لقتل رجالهم، ومَنْ لايقدر على فِداء لقيامهم وأهل دَبَا، فتتبعت رجالُهم نساءَهم بكل مكان [[6] ، وكما ترى فقد ردّ عمر جميع السبي للمرتدين التائبين وحتى سَبْي الجاهلية بين العرب قبل الإسلام. فلا دلالة في هذا على أنه خالف أبابكر في تكفير مانعي الزكاة، بل قد ذكر ابن تيمية أنهم لم يَسْبوا امرأة لمانعي الزكاة وإنما سَبَوا غيرهم من المرتدين [7] .
(1) (فتح الباري) 12/ 277
(2) (نقله ابن حجر عن القاضي عياض في الفتح، 12/ 276)
(3) (مجموع الفتاوى) 13/ 26
(4) (ذكره ابن حجر في الفتح، 12/ 280)
(5) (منهاج السنة) 6/ 349 تحقيق د. رشاد سالم
(6) (تاريخ الطبري) 2/ 304 - 305، ط دار الكتب العلمية 1408هـ
(7) (منهاج السنة) 6/ 348 - 349