هذا لا سيما إذا صرح بأن هذا مراده أو وقع في لفظ صريح كالمسألة المنقولة والله أعلم[.
فهذه أمثلة للردة بالأقوال، وكما ترى فإن ما دخلته الاحتمالات منها اختلفت آراء العلماء في التكفير بها، وهذا يرد أيضا في الأفعال محتملة الدلالة، ومنها ماذكره أبو بكر الحصني بعد كلامه السابق،
قال:]وأما الكفر بالفعل فكالسجود للصنم والشمس والقمر وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس، وكذا الذبح للأصنام، والسخرياء باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعيده أو قراءة القرآن على ضرب الدف، وكذا لو كان يتعاطى الخمر والزنا ويقدّم اسم الله تعالى استخفافًا فإنه يكفر.
ونقل الرافعي عن أصحاب أبي حنيفة أنه لو شدّ الزنار على وسطه كفر. قال: واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه والصحيح أنه يكفر. ولو شد على وسطه حبلا فسئل عنه فقال هذا زنار فالأكثر على أنه يكفر وسكت الرافعي على ذلك، وقال النووي الصواب أنه لا يكفر إذا لم يكن له نية، وما ذكره النووي ذكره الرافعي في أوّل الجنايات في الطرف الرابع ما حاصله موافقة النووي وأَنَّ لُبْس زِيّ الكفار بمجرده لا يكون ردة.
ونقل الرافعي عن أصحاب أبي حنيفة أن الفاسق إذا سقى ولده خمرا فنثر أقرباؤه الدراهم والدنانير فإنهم يكفرون وسكت الرافعي عليه، وقال النووي الصواب أنهم لا يكفرون. ولو فعل فعلا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان مصرحا بالإسلام مع فعله كالسجود للصليب أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها فإنه يكفر [[1] .
وإذا تأملت هذه المكفرات القولية والفعلية وهى مجرد أمثلة من كثير مما جاء في أبواب الردة بكتب الفقه تبيّن لك استهانة كثير من الناس بأمور هى من نواقض الإسلام، وماهذا إلا بسبب فشو الجهل ورِقَّة الدين، قال أنس بن مالك رضي الله عنه (إنكم لتعملون أعمالا هى أدق في أعينكم من الشَّعر كنا نعدها على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام من الموبقات) [2] .
هذا ما يتعلق بشرح قولي - في قاعدة التكفير - (بقول أو فعل مُكَفِّر) وكيف يستوفي القول أو الفعل شروط وصفِه بأنه مُكَفِّر؟.
(فائدة) لا يدخل العبد في الإيمان إلا بجملة أعمال، ولكنه يخرج منه - أي يكفر - بعمل واحد.
والمقصود هنا الإيمان الحقيقي الذي ينفع صاحبه في الآخرة لا الإيمان الحكمي المرادف للإسلام الحكمي الذي تجري عليه أحكام الدنيا، فهذا يدخل فيه بالشهادتين.
أما الإيمان الحقيقي فلا يدخل فيه العبد حتى يأتي بأصله، وقد سبق بيان أن أصل الإيمان مكون من جملة من أعمال القلب واللسان والجوارح، وهى على القلب: المعرفة والتصديق وبعض أعمال القلب كالانقياد والمحبة والرضا والتسليم لله تعالى، وعلى اللسان: الإقرار بالشهادتين، وعلى الجوارح: مايكفر بتركه من الأعمال كالصلاة وأدخل فيها كثير من العلماء بقية المباني الخمسة.
(1) (كفاية الأخيار) ج 2 ص 123 - 124
(2) رواه البخاري