فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 1285

• أما قول الطحاوي] ولانكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب مالم يستحله [فقد سبق بيان معناه الصحيح عند أهل السنة في تعليقي على العقيدة الطحاوية، وأن المراد بالذنوب في هذه العبارة هى الذنوب غير المكفرة كالزنا وشرب الخمر التي يُكَفِّر بها الخوارج، ونقلت أقوال العلماء في شرح هذه العبارة، ولم يقل أحد (إن الذنب أي ذنب كان ... ) كما قال الألباني، بل قد قال ابن أبي العز بخلاف هذا الذي نسبه إليه الألباني، فقال] ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لانكفر أحدًا بذنب، بل يقال لانكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج [[1] . هذا كلام الشارح فتأمل الفرق؟! وقول الشارح إنه قد امتنع كثير من الأئمة عن اطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب. قلت: ومنهم أحمد بن حنبل رحمه الله فيما نقله عنه الخلاّل قال:]أنبأنا محمد بن هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدّثهم قال: حضرت رجلًا سأل أبا عبدالله فقال: ياأبا عبدالله، إجماع المسلمين على الإيمان بالقدر خيره وشره؟ قال أبو عبدالله: نعم. قال: ولانكفر أحدًا بذنب؟، فقال أبو عبدالله: اسكت، من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر [[2] . وبوّب البخاري لهذه المسألة في كتاب (الإيمان) من صحيحه في باب (المعاصي من أمر الجاهلية ولايكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك) ولم يقل (ولا يكفر إلا بالاستحلال) لأن قوله (بالشرك) يعم الاستحلال وغيره من الأمور المكفِّرة، وهذا من شفوف نظر البخاري رحمه الله. وقد سبق تفصيل هذا عند كلامي في بيان الفرق بين ما يشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلًا وبين مالا يشترط فيه ذلك، وذكرت هناك أنه يلزم الرجوع إلى هذه المسألة عند الكلام في أخطاء التكفير، فراجعها، وذكرت فيها أن التفريق بين هذين القسمين من الذنوب ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. أما الألباني فلا يفرق بينهما بل عنده الذنب أي ذنب كان - كما قال - هو كفر عملي ولايكفر فاعله إلا أن يستحله استحلالا قلبيا، فلا هو ذكر مراد أهل السنة بهذه العبارة (لانكفر مسلما بذنب ... ) ولا هو نقل كلام ابن أبي العز فيها نقلا صحيحًا. وقد سبق في تعليقي على قول الطحاوي رحمه الله]ولايخرج أحد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه [بيان أن جَعْل الجحد - وفي معناه الاستحلال كما سبق بيانه - شرطا مستقلا للتكفير بالذنوب المكفرة هو قول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف[3] ، وهذا القول أخبث من قول الجهمية الذين قالوا إن من نص الشارع على كفره فهو كافر في أحكام الدنيا ويجوز أن يكون مؤمنا في الباطن.

فحاصل قول الألباني هو قول غلاة المرجئة، إذ إنه يشترط الاستحلال الاعتقادي للتكفير بأي ذنب ٍ كان دون تفريق بين الذنوب المكفرة وغير المكفرة، وفي قولٍ آخر له حَصَر الكفر في الانكار (وهو الجحد) وذلك في قوله]ولكني أقول إن القضاء على الذين يحكمون بغير ماأنزل الله سواء كان حكمهم يؤدي بهم إلى الكفر الكلي أو الكفر العملي لايهمنا في كثير أو قليل هذا الفصل بين الأمرين. الآن من ناحية العقيدة من الذي يكفر عند الله؟ هو الذي ينكر ماشرع

(1) (شرح العقيدة الطحاوية) ص 355 - 356

(2) (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، بتحقيق أحمد شاكر، 1/ 79

(3) كما قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى) 7/ 205 و 209

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت