هذه الآية -] ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص، تعمدًا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عموما [[1] ، وقال الشوكاني - في نفس الآية -]فهذه الآيات الكريمة متناولة لكل من لم يحكم بما أنزل الله [[2] .
وهذا الحكم بالكفر الأكبر يعم كل من ترك حكم الله وكل من حكم بغيره، سواء كان يحكم بالشريعة في الأصل كقضاة الشرع أو كان يحكم بغير الشريعة في الأصل. ولايستثنى من هذا الحكم أحدٌ إلا المجتهد المخطيء من قضاة الشرع فإن المأثم مرفوع عنه بنص حديث عمرو بن العاص مرفوعا (وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) [3] .
ويدخل في هذا الحكم دخولًا أوليا القضاة الحاكمين بالقوانين الوضعية، فإنهم ملتزمون بموجب الدستور والقانون أن يتركوا الحكم بما أنزل الله وأن يحكموا بغير ماأنزل الله بالقوانين الوضعية، وهم يفعلون هذا عامدين طواعية واختيارًا منهم للعمل بهذه المهنة، عالمين بمخالفة مايحكمون به لشريعة الله بحكم دراستهم للشريعة في كليات الحقوق وغير ذلك، فهؤلاء القضاة كفار كفرًا أكبر، ولانرى أي احتمال لوجود مانع من موانع التكفير في حق أي ٍ منهم، هذا هو الصواب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
هذا، وسوف يأتي بحث مسألة الحكم بغير ماأنزل الله بشيء من التفصيل في المبحث الثامن من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وبعد:
فهذا ما أردت التنبيه عليه من أهم الأخطاء الشائعة في موضوع التكفير، والتي لشيوعها يكاد كثير من طلاب العلم والعوام يرون أنها هى الحق والصواب، إذ لايرون غيرها في كثير من الكتب المتداولة.
ولعل أخطر هذه الأخطاء تلك المتأثرة ببدعة الإرجاء من اشتراط كفر القلب في صورة جحد أو استحلال أو اعتقاد كشرط مستقل للتكفير، وكذلك الخلط بين الكفر العملي والكفر بالعمل. فإن العمل بهذه الأخطاء من البدع المدمّرة للأمة الإسلامية إذ يترتب عليها عدم تمييز المسلم من الكافر كما يترتب عليها ادخال كثير من الكفار في الملة واعتبارهم في عداد المسلمين ولا يخفى الفساد العظيم المترتب على هذا خاصة إذا كان هؤلاء الكفار هم أصحاب الجاه والسلطان وأصحاب القيادة والتوجيه في بلاد المسلمين، وقد سبق في أوائل هذا المبحث القول في أهمية موضوع الإيمان والكفر بما يغني عن إعادته.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أحذّر من كتابات كثيرٍ من المعاصرين في هذا الموضوع، فإن معرفة الحق فيه أصبحت عزيزة،
(1) (مدارج السالكين) ج 1 ص 365، ط دار الكتب العلمية
(2) (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد) ص 47، ضمن (الرسائل السلفية) للشوكاني، ط دار الكتب العلمية
(3) الحديث متفق عليه