أ - فمن ذلك قوله في (فتح الباري) ط دار المعرفة. ج 1 ص 46، إن السلف في قولهم إن الإيمان (هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان) أنهم آرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله. هذا كلامه، وليس هذا قول السلف ولا مذهبهم.
أما أنه ليس قول السلف، فإن من عرّف الإيمان منهم بهذه العبارة قال إنه (اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح) ليس عملا بالأركان فقط، وبينهما فرق ذكرته من قبل.
وأما أنه ليس مذهب السلف، فمذهبهم أن العمل من حقيقة الإيمان ليس شرطا في كماله فقط، والإيمان عندهم ثلاث مراتب: أصل وكمال واجب وكمال مستحب، والعمل يدخل في المراتب الثلاث.
فما كان من العمل تركه كفر فهو من أصل الإيمان.
وما كان من العمل تركه فسق فهو من الإيمان الواجب، كأداء الواجب وترك الحرام.
وما كان من العمل لايُذم تاركه ولايعاقب فهو من الإيمان المستحب، كالنوافل.
فقول ابن حجر] إن السلف قالوا إن الأعمال شرط في كمال الإيمان [غير صحيح، بل هذا هو قول المرجئة[1] ، قال البيجوري]إن العمل شرط كمال على المختار عند أهل السنة، فمن أتى بالعمل فقد حَصَّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن لكنه فوَّت على نفسه الكمال [، وفي شرح قول اللقاني (والإسلام اشرحن بالعمل) قال البيجوري] والتقدير: والإسلام اشرحنه بالعمل الصالح، أي بالامتثال لذلك والإذعان الظاهري له، سواء عَمِلَ أو لم يعمل، فمعنى الإسلام شرعا: الامتثال والانقياد لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام مما عُلِمَ من الدين بالضرورة [[2] . وقوله (عند أهل السنة) يعني الأشاعرة، هكذا يُسمون أنفسهم كما قال الزبيدي]إذا أطلِقَ أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية [[3] . وهى تسمية في غير محلها كما تبين لك من هذا المبحث.
ب - ومن ذلك قول ابن حجر]فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره [[4] . فقوله (فعل يدل على كفره) هو كقول المرجئة إن فعله علامة على كفره، وقد علمت من قبل أن هذا بخلاف قول أهل السنة الذين يقولون إنه كفر بفعله، كما علمت من قبل أن سبب قول المرجئة هذا هو أن الكفر عندهم لايكون إلا بالقلب، وأن العمل ليس من حقيقة الإيمان فلا يكفر به، والتزموا أن من حكم الشارع بكفره بفعل يكون كافرًا وأن فعله هذا علامة على كفر قلبه.
ج - ومن ذلك قول ابن حجر في صيغة نفي الإيمان الواردة في حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحب لنفسه) قال] والمراد بالنفي كمال الإيمان [[5] . وهذا ليس صحيحا، فنفي الإيمان صيغة وعيد، والوعيد لايرد إلا في حق من ترك واجبا إما من أصل الإيمان وإما من الإيمان الواجب، أما من ترك شيئا من الإيمان المستحب فلا وعيد في حقه،
(1) وهو ماذكره الشيخ إبراهيم البيجوري 1277هـ في شرحه (لجوهرة التوحيد) لإبراهيم اللقاني 1041هـ
(2) (تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد) ص 45 - 47
(3) (إتحاف السادة المتقين) 2/ 6
(4) (فتح الباري) ج 1 ص 46
(5) (فتح الباري) ج 1 ص 57