عليه الصلاة والسلام الإسلام هنا إسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان إسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملة كلها شئ واحد وجماعها الدين، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «أتاكم يعلمكم دينكم» [[1] ، وقال ابن تيمية أيضا]فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل الإيمان مافي القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر [[2] . وكون الإيمان عند الاقتران يدل على اعتقاد القلب هو عكس ماقاله الاستاذ الشاذلي من أن الإيمان عند الاقتران هو العمل، وقد استدل فيما استدل به بما نقله ابن تيمية عن الزهري أنه قال]فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل [ (ص 231) ، وهذا قول شاذ، والمؤلف لم ينقل نقد ابن تيمية لهذا القول، فقد قال رحمه الله] لكن التحقيق ابتداء هو مابيّنه النبي عليه الصلاة والسلام لمّاسُئل عن الإسلام والإيمان، ففسّر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة، فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ماأجاب به النبيعليه الصلاة والسلام [[3] . وقوله (الأصول الخمسة) هو خطأ مطبعي غالبا، أو سبق قلم منه، وإلا فإن حديث جبريل نَصَّ على أركان الإيمان الستة. كما انتقد الشيخ حافظ حكمي رحمه الله قول الزهري ورجّح تصحيفه [4] ، وقال حافظ حكمي أيضا]وقد قدّمناأن الإسلام هو الأركان الظاهرة عند التفصيل واقترانه بالإيمان، والإيمان إذ ذاك هو الأركان الباطنة، والإحسان هو تحسين الظاهر والباطن، أما عند الإطلاق فكل منها يشمل دين الله كله [[5] . هذا قول أهل السنة على أن كلام الزهري رحمه الله يمكن تفسيره دون الحاجة إلى دعوى تصحيفه، وهو أن الشخص يسمى مسلما إذا أتى بالكلمة وهى الإقرار بالشهادتين، ولايستحق وصف الإيمان إلا إذا عمل بالشرائع وهذا ماذكره الزهري نفسه، فقد قال]كنا نقول الإسلام بالإقرار، والإيمان بالعمل، والإيمان قول وعمل قرينان لاينفع أحدهما إلا بالآخر [[6] . وهذا ماذكره ابن تيمية أيضا في تفسير كلام الزهري فقال]ومعلوم أنه على القول بكفر تارك المباني يمتنع أن يكون الإسلام مجرد الكلمة، بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في دين الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يُشهد له بالإسلام [[7] . ومع ذلك فليس لنا أن نَصِفَ الإسلام والإيمان إذا اقترنا بغير ماورد في حديث جبريل عليه السلام، أما ماقاله الاستاذ الشاذلي في هذا فقول محدث لا أصل له، وهو قول مردود غير مقبول لقوله عليه الصلاة والسلام (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) [8] .
ثم ننتقل إلى فقرة أخرى من كلام الاستاذ/ عبدالمجيد الشاذلي.
(1) (فتح الباري) 1/ 115، وقد ذكر ابن تيمية هذا الكلام في (مجموع الفتاوى، 7/ 359 - 360)
(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 14
(3) (مجموع الفتاوى) 7/ 259
(4) انظر (معارج القبول) 2/ 33 - 34
(5) (معارج القبول) 2/ 399
(6) نقله ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 7/ 295
(7) (مجموع الفتاوى) 7/ 259
(8) رواه مسلم