فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 1285

كفر بالله ورَدّ على الله أمره وعلى الرسول ماجاء به عن الله [[1] .

وإنما كَفَّر السلف من قال إنه لا يكفر بترك هذه الواجبات إلا الجاحد، لأن مادَلّ الدليل الشرعي على كفر فاعله (من ترك واجب أو فعل محرم) فلا يجوز تقييد كفره بجحد واستحلال وذلك بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة كما ذكرته في التنبيه الهام المشار إليه، فمن امتنع من تكفير هذا حتى يجحد فقد رَدّ على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله كما قال أحمد بن حنبل، ومن رد أمر الله ورسوله فقد كفر.

ونقل ابن تيمية أيضا عن أحمد بن حنبل بإسناده عن معقل بن عبيد الله العبسي أنه قال لنافع - مولى ابن عمر -] إنهم يقولون: نحن نُقر بأن الصلاة فرض ولانصلي، وبأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح، فَنَثَر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر [[2] .

وقال ابن تيمية أيضا]إنه لو قُدِّر أن قومًا قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: نحن نؤمن بما جِئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرتَ به ونهيتَ عنه، فلا نصلي، ولا نصوم، ولانحج ولانَصْدق الحديث، ولانؤدي الأمانة، ولانفي بالعهد، ولانصل الرحم، ولانفعل شيئا من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضا ونقاتلك مع أعدائك، هل كان يتوهم عاقل أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة ويُرجَى لكم أن لايدخل أحد منكم النار؟. بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك [[3] .

فإذا نظرنا إلى الموضوع محل البحث في هذا الكتاب (القول القاطع) نجده الامتناع عن الحكم بالشريعة - صفحة ب بمقدمة الكتاب -، فمن التقصير الواضح أن يخلو الكتاب من الكلام في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44.

وقد سبق التنبيه من قبل - في نقد كلام حسن الهضيبي، وفي نقد رسالة (ضوابط التكفير عند أهل السنة) - على أن ترك الحكم بالشريعة من الذنوب المكفرة، وكذلك الحكم بغيرها، وتفصيل المسألة بالمبحث الثامن إن شاء الله. فإذا كان الامتناع عن الحكم بالشريعة من الذنوب المكفرة، فإن التكفير به لا يُقَيَّد بالجحد كما ذكرته في التنبيه الهام المذكور في تعليقي على العقيدة الطحاوية في بيان مايشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلًا، ومالا يشترط فيه ذلك. وذكرت أن هذا التفريق بين النوعين من الذنوب - المكفرة بذاتها وغير المكفرة - ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ولثبوته كفَّر السلف غلاة المرجئة الذين اشترطوا الجحد للتكفير بالذنوب المكفرة كما نقلته عن ابن تيمية آنفا. وإهمال العمل بهذه القاعدة يترتب عليه ادخال كثير من الكفار في الملّة.

(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 209

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 205

(3) (مجموع الفتاوى) 7/ 287

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت