والحاصل أن القول بأن الممتنع عن الحكم بالشريعة لايكفر إلا بالجحد كما تقول هذه الجماعة في كتابها (القول القاطع) هو قول مخالف للكتاب والسنة والإجماع، وهو قول غلاة المرجئة كما أثبته آنفا.
بل قد قال العلماء إن من يفعل الذنوب المكفِّرة لو ادعى أنه مُقِر بوجوبها، فإن هذا لايمنع من تكفيره، بل يكون كاذبًا في دعواه هذه، كما قال ابن تيمية رحمه الله] ولايتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي عليه الصلاة والسلام وماجاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع، حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط لا يكون إلا كافرًا، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحشّ ويقول: أشهد أن مافيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء ويقول أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول [[1] .
ومن كلام شيخ الإسلام هذا تعلم أن الذنوب المكفرة كترك الصلاة وترك الحكم بما أنزل الله وغيرها لا يمنع من التكفير بها قول فاعلها إنه مقر بوجوبها غير جاحد لها. فإن مجرد فعل الذنوب المكفرة ينافي إيمان القلب لأنها مخلة بأصل الإيمان، فإن أظهر بلسانه خلاف ذلك كان كاذبا ً.
ومثله قول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ]لو قال من حَكَّم القانون: أنا اعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحدٌُ: أنا أعبد الأوثان واعتقد أنها باطل [[2] . فانظر كيف سَوَّى بين حكم القانون وعبادة الأوثان لأن كلاهما فعل مكفر يكفر فاعله بمجرد فعله دون النظر إلى مايخبر به لسانه عن اعتقاده.
والخلاصة: أن الامتناع عن الحكم بالشريعة كفر أكبر لايشترط لتكفير فاعله أن يكون جاحدًا لما امتنع عنه، وأن اشتراط الجحد للتكفير بهذا الذنب المكفر كما تقول هذه الجماعة هو قول غلاة المرجئة.
وبهذه الخُرافة - وهي تعميم القول باشتراط الجحد للتكفير بترك الواجب - احتجّت المحكمة العسكرية التي حكمت بقتل المسلمين الذين قتلوا حاكم مصر السابق أنور السادات عام 1981م، بأنه وإن لم يحكم بالشريعة إلا أنه لم يجحد وجوب الحكم بها وبذلك فهو لم يكفر، وبالتالي فإنه قُتِلَ بغير حق وقتلته يستحقون القصاص. وأتت المحكمة بقول للشيخ محمد متولي الشعراوي - الذي نقلته في الرد السابق على الألباني - أنه لايكفر تارك الواجب إلا إذا أنكر وجوبه، وأتت بقول مثله للشيخ محمد أبي زهرة، ثم قالت المحكمة [فإذا ماطبقنا قواعد الشرع السابق تفصيلها والتي استندنا فيها إلى كتاب الله وسنة رسوله، وآراء أهل الذكر من فقهاء المسلمين على مانسبه المتهمون للرئيس الراحل محمد أنور السادات، تكفيرا له واستحلالا لدمه نجده - رحمه الله - لم يجحد ماأنزله الله في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، لم ينكر ضرورة الحكم بما أنزل الله بدليل نص المادة الثانية من الدستور في عهده بناء على استفتاء تم عام (1980) ، أصبحت فيه الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وانعقدت اللجان ولازالت تعمل لتقنين
(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 615 - 616
(2) (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم) جمع عبدالرحمن بن قاسم النجدي، ج 6 ص 189، ط 1399 هـ بمكة المكرمة