فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 1285

في نفس الموضع السابق -] أن فيروز ومن معه احتالوا على الأسود وأظهروا متابعته حتى تمكنوا من قتله غِيلة ً، وقد أثنى النبي عليه الصلاة والسلام على فيروز، وقد قيل أن خبرهم بَلَغ النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي ليلة وفاته [[1] .

فالحاصل: أن إظهارهم المتابعة للأسود العنسي لأجل قتله ثابت في السير المختلفة، وهذا يدل على جواز مثل ذلك، ووجه الحجة فيه: إما أنه سُنّة تقريرية، وإما أنه إجماع صحابة إذ قد عُلِمَ هذا عنهم ولم يُنكر عليهم، وعلى كل حال فإن هذا العمل داخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام (الحرب خدعة) [2] . ومن هنا قلت: إن الالتحاق بجيش المرتدين بقصد النكاية فيهم جائز، ومادام جائزًا شرعًا فهو مانع معتبر من التكفير [3] . ويلزم من أقدم على هذا أن يعلم مايجوز له

(1) (المصدر السابق) 2/ 247 - 254، و (فتح الباري) 8/ 93

(2) متفق عليه

(3) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله [ذكر المصنف(ص616) في موانع التكفير المعتبرة في حق أنصار المرتدين: (الالتحاق بجيش المرتدين بقصد النكاية بهم، كأن يقصد قتل أئمة المرتدين أو القيام بما يسمى بالانقلاب العسكري، ونحو ذلك، سواء كان هذا هو قصده الابتدائي(أي عند التحاقه بالجيش) أو طرأ له هذا القصد بعد ذلك فيتغير حكمه بحسب تغيّر قصده) أهـ.

وقال (ص618) : (الإلتحاق بجيش المرتدين بقصد النكاية فيهم جائز، وما دام جائزًا شرعًا فهو مانع معتبر من التكفير) أهـ.

هذا بعد أن حشد الأدلة على كفر من أظهر النصرة والموالاة للكفار والمرتدين وقد قرّر (ص635) أن (الكفر لا يجوز إظهاره إلا مع الإكراه المعتبر، لا لمجرد الخوف أو المصلحة) أهـ.

وهذا حقٌّ، وهو مناقض لاعتباره هنا إظهار نصرة المرتدين والالتحاق بجيوشهم لأجل النكاية فيهم جائزًا شرعًا لأجل هذه المصلحة، التي اعتبرها من موانع التكفير، ولم يذكر لذلك دليلًا صريحًا مسندًا يخرجه من العموم الذي قرره (ص634) .

اللهم إلا ما ذكره من قصة فيروز الديلمي غير مسند ولا صريح الدلالة على ما ذهب إليه، حيث قال (ص616) : (الكفر بسبب نصرة المرتدين في الظاهر لا يرخص فيه بمجرد النية الحسنة، كنية دعوتهم للإسلام وغيرها من أعمال البر، وإنما يرخص في ذلك بنيّة خاصة وهي قصد النكاية فيهم فهذا هو الذي ثبت جوازه بالأدلة .. ) أهـ.

كذا قال، فما هي هذه الأدلة؟

قال: (وعليه فالدليل على أن هذا القصد مانع من التكفير هنا، حادثة فيروز الديلمي رضي الله عنه، لمّا ادّعى الأسود العنسي النبوة وارتدّ قوم من أهل اليمن واتبعوه حتى غلب على صنعاء، تظاهر فيروز الديلمي بأنه من أنصاره واحتال حتى قتله) أهـ.

هذا كلامه، ولم يذكر على احتيال فيروز وتظاهره أنه من خاصته وأنصاره لأجل قتله، نصًا صريحًا مسندًا، مع أنّ هذا هو وجه الدلالة الذي استدل به على جواز هذا العمل الخطير، الذي كفّر فاعله ومظهره من قبل.

وما ذكره عن الطبري بإسناده عن الضحاك بن فيروز قال: (قدم علينا وبْر ابن يحنس بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب والعمل في الأسود، إمّا غيلة وإما مصادمة ... إلخ) .

ليس بصريح الدلالة كما ترى، بل قوله: (يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب .. ) يدل على خلاف مراده واستدلاله.

وما ذكره بعد ذلك، من أن فيروز ومن معه احتالوا على الأسود، وأظهروا متابعتة، لم يذكره مسندًا، ولا حقّق أو بيّن صحته، مع أنه هو الدليل الذي يتكىء عليه في هذا الموضوع الذي هو مزلّة عظيمة، بل ذكره حكاية بالمعنى عن الطبري فقال: (وقد ذكر الطبري رحمه الله في نفس الموضع السابق أن فيروز ومن معه احتالوا على الأسود وأظهروا متابعته، حتى تمكنوا من قتله غيلة، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على فيروز .. ) أهـ.

فيقال له: هلاّ أثبتَّ العرش أولًا ... ثم نقشت.

فإن النقش قبل تثبيت العرش مزلّة، قلّما يخرج معها النقش سديدًا، وتزداد المزلّة خطورة، إذا كان النقش في أبواب الكفر والإيمان.

ولو أن كلام الشيخ واستدلاله كان على من هداه الله إلى التوحيد وهو في جيش الطاغوت أصلًا، فرام استغلال وجوده في نصرة دين الله والنكاية في أعدائه، فأرْجأَ إظهار دينه وتوحيده وبراءته من الشرك وأهله، دون أن يرتكب كفرًا، ليُظهرَ دينه وبراءته من الطاغوت بأشرقِ صورة؛ وذلك بجهاد أعداء الدين وجِلادهم في فرصة أو ظرف يتحينه، كما فعل نعيم بن مسعود رضي الله عنه حين كتم إسلامه في غزوة الأحزاب وكان نديمًا لبني قريظة، وفي قصته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (خَذِّل عنّا"ففعل، وكان ذلك سببًا في رحيل الأحزاب كما ذكر أهل السير والمغازي، وكذلك ما فعله محمد بن مسلمة في قتله لكعب بن الأشرف، ونحوه، مما هو معلوم وثابت ويدل على جواز كتمان الدين أو التخفي ومخادعة الكفار بعدم إظهار عداوتهم لأجل قتل رؤوسهم أو النكاية فيهم."

أقول: فلو اقتصر المصنف على مثل هذه الصورة لما خالفناه، بشرط أن لا يرتكب فاعلها ما هو كفر أو ردّة، بل يكون حاله في تلك المدة كحال من اندسّ في صفوفهم متخفيًا بزيّهم أو استعمل بعض المعاريض والحيل الموهمة، التي هي من جنس المخادعة في الحروب، كل ذلك لم نكن لنخالفه فيه، ولكنه جوّز الالتحاق بجيش الطاغوت ابتداءً لأجل هذا القصد.

ومعلوم ما يقترفه من يفعل ذلك من مكفرات مختلفة، في المراحل التي يمر بها في دراسته أو دوراته أو تخرجه وخدمته.

والأصل الأصيل الذي لا يخالفنا فيه المصنف أن مثل هذه المكفرات لا يسوّغ ارتكاب شيء منها إلا في الإكراه، فتجويز شيء من ذلك، واستثنائه لأجل المصلحة التي ذكرها، يحتاج إلى دليل مسند صحيح صريح، وهو الشيء الذي لم يأت به المصنف هنا.

هذا ولقد عزا المصنف قصة فيروز الديلمي فيما عزاه من المراجع إلى فتح الباري، ومن يرجع إلى شرح الحديث (4378) الواردة فيه قصة الأسود العنسي يجد ابن حجر قد ذكر رواية عن يعقوب بن سفيان والبيهقي في الدلائل من طريقه، من حديث النعمان بن بُزْرُج قال: (خرج الأسود الكذاب وكان معه شيطانان يقال لأحدهما سحيق والآخر شقيق، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان بَاذان عامل النبي صلى الله عليه وسلم بصنعاء فمات، فجاء شيطان الأسود فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء وتزوج المرزبانة زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها دادُوَيه وفيروز وغيرهما حتى دخلوا على الأسود ليلًا، وقد سَقَتْهُ المرزبانة الخمر صرفًا حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا، فقتله فيروز واحتزّ رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو الأسود عن عروة أصيب الأسود قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيوم وليلة، فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقيل وصل الخبر بذلك صبيحة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم) أهـ.

وليس في هذا الخبر شيء مما استدل به المصنف، بل مما فيه أن فيروز ومن معه نقبوا جدار البيت وقتلوا الأسود بمساعدة من زوجة باذان، وقد اطلعت على ما يرمي إليه المصنف من قصة فيروز، ليس في تاريخ الطبري، فهو غير موجود هناك - بل في البداية والنهاية (6/ 307 - 310) ، وكل من يخبر كتب التاريخ وما جمع فيها أصحابها من غير إسناد، ويعرف طرق الاستدلال وتمحيص الأخبار، يسلّم بأن حكايته غير مسندة ولا ممحصة، ولا تكفي لإثبات سنّة مندوبة في دين الله، فضلًا عن أن يُجَوّز بها ارتكاب الكفر البواح، أو الشرك الصراح، لأجل مصلحةٍ ما.

فالخلاصة كما قلت: أن وجه الدلالة من قصة فيروز الديلمي غير صريح فيما نقله المصنف عن كتب التاريخ وهو أيضًا غير مسند، فالمطلوب مراجعة ذلك والنظر في أصل القصة وإسنادها ووجه الدلالة فيها، وهو أمر متعسر عليّ في هذا المكان لفقر بالمراجع المطلوبة لذلك، خاصة كتب الرجال والجرح والتعديل والسير والتواريخ] النكت اللوامع ص (36 - 39)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت