مسلمين حكمًا عند من يعلم منهم موانع معتبرة من التكفير.
(مسألة: في الموانع المعتبرة شرعًا كموانع من التكفير)
وأعود فأكرر أنه لايجب علينا شرعًا البحث عن هذه الموانع في حق أنصار المرتدين الممتنعين وأنه يُحكم على أعيانهم بالكفر بدون استتابة. ولكن من كانت له معاملة خاصة مع أحدهم ويمكنه تبيّن حاله، نظر في هذه الموانع فإن وجد أحدها في بعضهم عامله كمسلم. ومن هذه الموانع:
1 -الالتحاق بجيش المرتدين بقصد النكاية فيهم:
كأن يقصد قتل أئمة المرتدين أو القيام بما يُسمى بالانقلاب العسكري ونحو ذلك، سواء كان هذا هو قصده الابتدائي (أي عند التحاقه بالجيش) أو طرأ له هذا القصد بعد ذلك، فيتغير حكمه بحسب تغير قصده.
والدليل على أن هذا القصد مانع من التكفير، ليس حديث (إنما الأعمال بالنيات) لأنه وكما سبق تفصيله في أول الباب الرابع من هذا الكتاب فإن الكفر - وهو هنا الكفر بسبب نصرة المرتدين في الظاهر - لايرخص فيه بمجرد النية الحسنة، كَنِيَّة دعوتهم للإسلام وغيرها من أعمال البر، وإنما يُرَخّص في ذلك بنيّة خاصة وهي قصد النكاية فيهم، فهذا هو الذي ثبت جوازه بالأدلة، وقد ذكرت في أول الباب الرابع أن المعاصي لاتباح بمجرد النية الحسنة ولكن تباح أو يرخص فيها بأدلة شرعية خاصة في كل مسألة بعينها.
وعليه فالدليل على أن هذا القصد مانع من التكفير هنا: حادثة فيروز الديلمي رضي الله عنه، فإنه لما ادعى الأسود العنسي النبوة وارتد قوم من أهل اليمن واتبعوه حتى غلب على صنعاء، تظاهر فيروز الديلمي بأنه من خاصته وأنصاره واحتال حتى قتله، وبوّب البخاري لقصته بكتاب المغازي من صحيحه، وفيه قال: قال عبيد الله بن عبدالله (سألت عبدالله بن عباس عن رؤيا رسول الله عليه الصلاة والسلام التي ذَكَرَ، فقال ابن عباس: ذُكِرَ لي أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: بينا أنا نائم أُرِيتُ أنه وُضعَ في يديَّ سِواران من ذهب فقطعتُهما وكرهتهما، فأُذِنَ لي فنفختُهما فطارا، فأوّلتهما كذابين يخرجان، فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة الكذاب) [1] . وقال ابن تيمية] ثم خرج فيروز الديلمي على الأسود العنسي فقتله، وجاء الخبر إلى رسول عليه الصلاة والسلام بقتله وهو في مرض موته، فخرج فأخبر أصحابه بذلك، وقال «قُتِلَ الأسود العنسي الليلة، قتله رجلٌُ صالح من قوم صالحين» وقصته مشهورة [[2] . وقد ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه قصة فيروز وأنه صنع ماصنع من تظاهره باتباع العنسي لما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالثبات في اليمن واغتنام الفرصة لقتله، إذ كان بعض عمال النبي عليه الصلاة والسلام على اليمن قد عادوا إلى المدينة لما استشرى أمر العنسي، فقد روي الطبري بإسناده عن الضّحاك بن فيروز قال]قَدِمَ علينا وَبَرُ بن يُحَنَّس بكتاب النبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب والعمل في الأسْوَد: إما غِيَلة ً وإما مصادمةً، وأن نبلّغ عنه مَن رأينا أن عنده نجدة ً ودينًا، فعمِلنا في ذلك [[3] . وقد ذكر الطبري رحمه الله -
(1) (حديث 4379)
(2) (الجواب الصحيح فيمن بدّل دين المسيح) 1/ 109
(3) (تاريخ الطبري) 2/ 248، ط دار الكتب العلمية 1408ه