فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 1285

وكذلك جعل النبي عليه الصلاة والسلام ابن وليدة زمعة أخًا لسودة بنت زمعة في الفِراش وأجنبيًا في النظر لأجل الشّبه بعُتبة [[1] .

وحديث ابن وليدة زمعة متفق عليه، وفيه أن زمعة - والد أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها - كانت له جارية، فزنى بها عُتبة بن أبي وقاص في الجاهلية، فولدت غلامًا، وأخبر عتبة أخاه سعد بن أبي وقاص أن هذا الغلام ابنه فأراد سعد أخذه يوم فتح مكة فنازعه فيه عبد بن زمعة فتخاصما إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقضى بينهما، وفي إحدى روايات البخاري لهذا الحديث قالت السيدة عائشة رضي الله عنها (كان عتبة بن أبي وقاص عَهِدَ إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مِنّي فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي كان قد عَهِدَ إليَّ فيه، فقام إليه عبدُ بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي وُلِدَ على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال سعد: يارسول الله، ابن أخي كان عَهِدَ إليّ فيه، وقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي وُلِدَ على فِراشه، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: هو لك ياعبدُ بن زمعة، ثم قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: الولد للفِراش وللعاهر الحَجَر، ثم قال لسودة بنت زمعة: احتجبي منه، لِماَ رأي من شبهِهِ بعتبة، فما رآها حتى لقي الله تعالى) [2] . ذكر ابن القيم هذا الحديث ثم قال]وفي لفظ للبخاري «هو أخوك ياعبد» وعند النسائي «واحتجبي منه ياسودة فليس لك بأخ» وعند الإمام أحمد «أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ» ، فحَكَم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملًا بموجب الفِراش، وأمَرَ سودة أن تحتجب منه عملا بشبهِهِ بعتبة، وقال «ليس لك بأخ» للشُّبْهَة، وجعله أخا في الميراث، فتضمنت فتواه عليه الصلاة والسلام أن الأَمَة فِراش ٌُ، وأن الأحكام تتبعض في العين الواحدة عملًا بالاشتباه [[3] . وتبعّض الأحكام الوارد في حديث ابن وليدة زمعة: أنه أخ للسيدة سودة من جهة النسب والتوارث وليس أخًا لها في المحرمية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعدما ذكر هذا الحديث -]فتبيّن أن الاسم الواحد يُنفي في حُكم ويثبت في حُكم، فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية [[4] .

ومثال تبعض الأحكام في أحكام الإيمان: أن الفاسق يُسمى مؤمنا من جهة دخوله في خطاب التكليف الوارد في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بما معه من أصل الإيمان المنجي من الكفر، ولايُسمى مؤمنا من جهة عدم اتيانه بالإيمان الواجب المنجي من الوعيد، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام (لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) [5] .

والحاصل: أن تبعّض الأحكام ثابت في الشريعة، ولولا أنه ليس مقصودًا بالبحث لذاته لأسهبت في شرحه، فنكتفي منه بهذا، والمراد بيان أن الشخص الواحد يمكن أن يجتمع فيه حكمان متضادان في وقت واحد بحسب الأسباب الموجبة لكل حكم منهما، ومن هذا الباب أنصار الحكام المرتدين، كل واحد منهم كافر حكمًا ويمكن أن يكون بعضهم

(1) (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، 1/ 264

(2) (حديث 7182)

(3) (اعلام الموقعين) 4/ 356

(4) (مجموع الفتاوى) 7/ 421

(5) الحديث متفق عليه، وانظر (مجموع الفتاوى) 7/ 240 - 241

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت