هم ببيداء من الأرض إذ خُسِفَ بهم، فقيل: يارسول الله وفيهم المكره، قال: يُبعثون على نياتهم»، وهذا في ظاهر الأمر وإن قُتِلَ وحُكِمَ عليه بما يُحكم على الكفار، فالله يبعثه على نيته، كما أن المنافقين منا يُحكم لهم في الظاهر بحكم الإسلام ويُبعثون على نياتهم، والجزاء يوم القيامة على مافي القلوب لا على مجرد الظاهر [ثم استدل لكلامه هذا بحديث العباس و خروجه مع المشركين يوم بدر وحُكْم النبي عليه الصلاة والسلام عليه[1] . فقوله (وهذا في ظاهر الأمر - إلى قوله - فالله يبعثه على نيته) يدل على أن الحكم بكفره (وحُكمَ عليه بما يُحكم على الكفار) إنما هو على الظاهر لا الحقيقة، لاحتمال قيام مانع في حقه، فإذا وُجِدَ مانع فهو كافر حكما مسلم في الباطن، وإذا لم يوجد مانع فهو كافر ظاهرًا وباطنًا.
وفائدة الخلاف في هذا - هل هو كافر حقيقة ً أو حُكْمًا أي ظاهرًا؟ - ليس من جهة أحكام الآخرة فقط، فهذه أمرها إلى الله كما سبق تقريره، ولكن من جهة أحكام الدنيا أيضا، ومن هذه الجهة فليس هناك خلاف في تكفير أنصار المرتدين الممتنعين ووجوب قتالهم، سواء كانوا كفارًا حُكْمًا أو حقيقة، بل تكفيرهم وقتالهم محل إجماع كما سبق بيانه، وإنما فائدة الخلاف في أحكام الدنيا: أنه وبسبب مخالطة جنود المرتدين للمسلمين في كثير من البلدان، فإن هناك كثيرًا من المعاملات الخاصة التي يؤثر فيها معرفة الدين تقع بين الطرفين كمسائل النكاح والميراث ونحوها، فمن كانت بينه وبين أحد هؤلاء الجنود معاملة من هذه وأمكنه تبيّن حاله من جهة توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، وعلم منه قيام مانع معتبر شرعا يمنع من تكفيره فيعامله كمسلم، ويكون هذا الجندي كافرًا في الظاهر مسلمًا في الباطن، وإذا لم يجد لديه مانعا معتبرًا فهو كافر ظاهرًا وباطنا. وتبيَّن الموانع إنما يكون لهذا الغرض فقط - وهي المعاملات الخاصة بسبب المخالطة - ولايجب التبين لأجل الحكم بالتكفير والقتال لكونهم ممتنعين، وكون الواحد من جنود المرتدين قد يصير منفردًا عن طائفته في بعض الأوقات فإن هذا لايصيّره مقدورًا عليه بالمعنى الاصطلاحي بل مازال ممتنعا بنجدة طائفته له، كما أنه مازال من الطائفة حكمه حكمها لم يخرج عنها بانفراده إذ مازال مؤتمرًا بأمرها مطيعا لها.
فإن قيل: فهل يجوز أن نطلق على فرد ٍ واحد أنه كافر ومسلم في آن ٍ واحد، فيعامله بعض المسلمين على أنه كافر في الظاهر ويعامله بعضهم على أنه مسلم في الباطن؟.
فالجواب: نعم، وهذه هي مسألة (تَبَعُّض الأحكام) ومعناها اجتماع حكمين متضادين في العين الواحدة ومثال ذلك: البنت من الرضاعة: هي ابنة من جهة الحرمة والمحرمية، وليست ابنة في النفقة والميراث. ومعنى هذا الكلام: لو أن امرأة أرضعت طفلة أجنبية، لصارت هذه الطفلة ابنة من الرضاع لزوج هذه المرأة فيحرم عليه نكاحها ويكون محرمًا لها، ولكنه لايجب عليه الإنفاق عليها ولايتوارثان. فهي ابنة له من وجه وليست ابنة من وجه آخر، بخلاف بنته من صُلبه.
قال ابن القيم رحمه الله] والشريعة طافحة من تبعّض الأحكام وهو محض الفقه، وقد جعل الله سبحانه البنت من الرضاع بنتًا في الحرمة والمحرمة، وأجنبية في الميراث والإنفاق.
وكذلك بنت الزنى عند جمهور الأمة بنت في تحريم النكاح، وليست بنتًا في الميراث.
(1) انظر (مجموع الفتاوى) 19/ 225