فهرس الكتاب

الصفحة 781 من 1285

الحكم الدنيوي الظاهر فقط أم كفار ظاهرًا في الدنيا وباطنًا على الحقيقة معذبون في الآخرة؟.

والجواب: أن كل من أتى كفرًا وانتفت الموانع في حقه فلابد أن يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا كما سبق بيانه تصديقًا لخبر الله الذي لايكون إلا على الحقيقة. ولما كان الحكم بالكفر يقع على الممتنعين بدون تبين الشروط والموانع، فحُكْمنا بكفرهم إنما هو على الظاهر ولانقطع بكفرهم كممتنعين على الحقيقة لاحتمال قيام مانع من التكفير في حق بعضهم [1] ، مع التذكير بأنه لايجب علينا البحث عن هذه الموانع. فالحكم عليهم إنما هو على الظاهر كما قال ابن تيمية - فيما نقلته عنه آنفا -] وقد يقاتِلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه يشهد القتال معهم ولايمكنه الهجرة، وهو مُكرَه على القتال، ويُبعث يوم القيامة على نيّته، كما في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال «يغزو جيشٌُ هذا البيت، فبينما

(1) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[والصواب أن يقال: أن الأصل فيمن تلبّس بنصرة الشرك والمشركين أنه كافر بعينه على الحقيقة ما لم يظهر لنا بحقه مانع.

لأنه إذا تولّى الشرك وأهله حقًا فهو منهم (أي مشرك) بنص حكم الله: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة: 51، فأحكام الله لا تكون إلا على الحقيقة. وأما من ظهر في حقه مانع من الموانع فهو ليس بكافر لا في الباطن ولا في الظاهر. ومن لم يظهر لنا مانع في حقه فلا نعمل الاحتمالات في الأحكام الشرعية بل يبقى حكم الله الظاهر هو الأصل ولا دخل لنا بالسرائر والمغيبات، والأصل أننا معذورون، بل مأجورون، في الخطأ في الاجتهاد إن اتقينا الله، وطلبنا الحق، واتبعنا الدليل، وحكمنا بالظاهر.

ولو قال المصنف: أن الممتنع إن قام في حقه مانع لم نطلع عليه، أو لم يظهر لنا، فنحن معذورون في معاملته معاملة الكفار من قتل وغنم مال ونحوه، ويبعث يوم القيامة على نيته، لكان أضبط وأقرب إلى ظاهر حديث أم المؤمنين في الجيش الذي يغزو الكعبة، وكذلك قصة أسر العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم في بدر.

ولكان أقرب إلى كلام شيخ الإسلام الذي استشهد به.

وأبعد عن مقالات الجهمية والمرجئة، التي توهمها عبارة: (كافر في الظاهر، مؤمن على الحقيقة أو في الباطن) .

حيث قال: (فإذا وجد مانع فهو كافر حكمًا، مسلم في الباطن، وإذا لم يوجد مانع فهو كافر ظاهرًا وباطنًا) أهـ.

وكذلك قال: (فمن كانت بينه وبين أحد هؤلاء الجنود معاملة من هذه وأمكنهُ تبيّن حاله من جهة توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، أوعلم منه قيام مانع معتبر شرعًا يمنع من تكفيره، فيعامله كمسلم، ويكون هذا الجندي كافرًا في الظاهر مسلمًا في الباطن، وإذا لم يجد لديه مانعًا معتبرًا فهو كافر ظاهرًا وباطنًا) أهـ (ص615) .

فتأمل في قوله: (كافرًا في الظاهر، مسلمًا في الباطن) أهـ.

ثم انظر ما قاله هو نفسه (ص631) عن الجهمية: (وقالت الجهمية من المرجئة من قال أو فعل ما كفر، كَفَرَ ظاهرًا في أحكام الدنيا ويجوز أن يكون مؤمنًا في الباطن، فأكفرهم السلف بهذا، لأن من ثبت كفره بالدليل لا بدّ أن يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا، معذبًا في الآخرة، لأن خبر الله لا يكون إلا على الحقيقة، لا على الظاهر فقط، فمن أكْفرهُ في الظاهر دون الباطن فقد كذّب بالنص، ومن هنا أكفرهم السلف. انظر مجموع الفتاوى .. ، والصارم المسلول ... ) أهـ. وانظر مثله (ص422) من الجامع.

وأنا ظني بالشيخ أنه لا يرى مراد الجهمية في قوله: (مسلمًا في الباطن) وإنما مراده أنه مسلم عند من اطلع على المانع في حقه، كافر عند من لم يطلع وعامله بما أظهره من تكثير سواد الشرك وأهله. فيكون مراده من قوله: (في الباطن) أي: عند من عرف حقيقة أمره وتبيّن قيام المانع في حقه، لا الاعتقاد القلبي الباطن الذي تردُّ المرجئة الكفر والإيمان إليه، والله أعلم.

ويدل على حسن ظني هذا، معرفة الشيخ بمقالات الجهمية والمرجئة، وانتقاده لكل من وافقهم في شيء منها أو شابه قوله مقالاتهم.

وأيضًا يدل عليه قوله في الخلاصة (ص622) : (فمن علم من أحدهم مانعًا معتبرًا، عامله كمسلم، وهو عندنا كافر في الحكم الظاهر ما دام في صف الحكام المرتدين) أهـ.

ولكنّ العبارة الأولى موهمة فلزم التنبيه] النكت اللوامع ص (34 - 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت