فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 1285

الذي لايمكن للمكلف إزالته، أما الجهل الذي يمكنه إزالته بتمكنه من التعلم فليس بعذر وليس بمانع، فإذا تمكن من التعلم فلم يَسْعَ في ذلك فهو من المعرضين عن الهُدَى.

كما سبق بيان أنه لايلزم بلوغ العلم حقيقة ً إلى كل مكلّف لتقوم عليه الحجة، بل يكفي إمكان بلوغ العلم له - بانتشاره وتيسّر أسبابه - ليعتبر المكلف عالما حُكمًا، أي يعتبر في حُكم العالِم وإن لم يكن عالما على الحقيقة.

ولا يخفى أنه قد شاع في هذه الأزمنة في كثير من البلدان القول بكُفر الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله، وهذا يكفي لبلوغ الحجة وقيامها، وإن وُجِد من يُخالف هذا القول، وإن وُجِدَ من يُسَفِّه ويُضلل من يقول بكفر الحكام، فقد وُجِدَ المخالف والمضلل والمستهزيء مع الأنبياء عليهم السلام، ولم يمنع وجودهم من قيام الحجة، قال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) يس: 30، وقال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات: 52 ومن هذا تعلم أيضا أنه لو وُجِدَ في بعض البلدان من يُضلل أنصار المرتدين - من علماء السوء وغيرهم - فيوهمهم أن حاكمهم مسلم، وأنهم مجاهدون في سبيل الله، وأن المسلمين الخارجين على الحاكم ضالون أو خوارج وغير ذلك، أن هذا التضليل ليس عذرًا يمنع من تكفير أنصار المرتدين مع إمكان بلوغ الحجة. وقد قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ) الفرقان: 31، وقال جل شأنه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) الأنعام: 123، وهذا جَعْلٌُ قدري متحتم الوقوع، فكلما ظهر الحق كلما ظهر المجرم والمستهزيء والمخالف والمضلل ولابد، وهذا كله لايمنع من قيام الحجة كما قامت بالرسل مع وجود هؤلاء.

والحاصل أنه إذا وجد من يقول بكفر الحكام الحاكمين بغير ماأنزل الله فقد قامت الحجة به وإن وُجِدَ من يخالفه ويستهزئ به، ووجب على من سمع به أن يسعى لتبين الحق في هذا الأمر. فكيف وقد شاع تنكيل الحكام بالمسلمين المتدينين لأجل دعوتهم في شتى البلدان؟ إن هذا يكاد لا يخفى على أحدٍ اليوم.

بقي هنا تنبيهان:

الأول: أن إقامة الحجة على المعيَّن إنما تجب للمقدور عليه - لا الممتنع - لأنها داخلة في الاستتابة.

والثاني: أن الممتنعين لايجب إقامة الحجة على أعيانهم، وإنما يُدْعَون قبل القتال، وتكون هذه الدعوة واجبة بشرطين: أحدهما أن لاتكون الدعوة قد بلغتهم من قبل، والآخر: أن لايكون قتالهم قتال دفع. والذي يُدعي هم رءوس الطائفة الممتنعة.

ومن هذا تعلم أن دعوة الحكام المرتدين الممتنعين إلى التزام الإسلام والحكم به غير واجبة اليوم، إذ قد علموا مايُراد منهم بل إنهم يقتلون الدعاة كل حين، كما أن قتالهم قتال دفع وهذا لادعوة فيه، وفي المسألة تفصيل يأتي في آخر القسم التالي وفيه أقوال لمحمد بن الحسن الشيباني وابن القيم في هذه المسألة إن شاء الله.

ونحن إذا قلنا إنه يحكم على أنصار المرتدين بدون تبين موانع، فذِكْرنا للموانع هنا المراد به تنبيه من أراد تبين حال بعض هؤلاء الأنصار لأجل معاملة خاصة أن نعرِّفه الموانع المعتبرة في الشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت