فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 1285

كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 65 - 66، فهؤلاء الذين أنزلت فيهم هذه الآيات كانوا في غزوة تبوك مع النبي عليه الصلاة والسلام فهم إذن كانوا يجاهدون وكانوا يصلون ولهذا أثبت الله أن معهم إيمانا لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)، ولكنهم كفروا بكلمة قالوها وهو الاستهزاء الذي وقع منهم. وأيضا قوله تعالى (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ) التوبة: 74، فأثبت الله أنهم كانوا مسلمين ولايكونون كذلك إلا بالإقرار وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها من واجبات الدين، ومع ذلك فقد أكفرهم الله بكلمة ٍ قالوها (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا) . وإذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام قد قال لأسامة بن زيد (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله) [1] ، فإن هذا في الكافر الأصلي يُكفّ عنه ويُتبين أمره بعدها هل التزم بما توجبه هذه الشهادة من العمل؟، وهو معنى قوله تعالى (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا) النساء: 94، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) [2] ، ومعنى (إلا بحقها) أو (إلا بحق الإسلام) فمن حقها الكفر بالطاغوت وأداء الفرائض واجتناب النواهي، فمن قصّر في هذا يحكم عليه بالكفر أو بالفسق بحسب ماقصّر فيه. فليس المراد بالشهادة مجرد القول بل المراد تحقيق معناها خاصة ماتدل عليه من النفي والاثبات وهو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده، كما قال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) الصافات: 35 - 36 فالكفار علموا أن المراد من شهادة (أن لا إله إلا الله) ليس مجرد القول بل المراد ترك عبادة غير الله (أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا) أي ترك الكفر، فويل ٌُ لمن كان الكفار أفقه منه، وويل لمن كان أجهل من الكفار، فمن قال لا إله إلا الله وفَعَل المكفرات لم يأت بالمراد، ويُحكم عليه بالكفر ويحل دمه وماله كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (لايحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) [3] ، والتارك لدينه هو المرتد، وقد دل الحديث على أن المسلم المقر بالشهادتين قد يرتد إذا أتى بسبب من أسباب الردة.

والخلاصة: أن من أتى بسبب الكفر - من قول ٍ أو فعل ٍ - كفر بذلك وإن كان مصليا مزكيا صائما مجاهدًا. وفي هذا قال ابن تيمية رحمه الله] وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لايقصد الكفر أحدٌُ إلا ماشاء الله [[4] .

د - وليس من موانع التكفير كون جنود المرتدين مستضعفين لاحيلة لهم مع حكامهم، فالاستضعاف لا يسوِّغ لهم نصرة الكافر والخروج في صفه لقتال المسلمين، بل قد سبق القول بأن الإكراه الملجيء ولو تحققت شروطه لايرخص في قتل المسلمين أو قتالهم وهو مايفعله هؤلاء المجرمون.

(1) الحديث متفق عليه

(2) رواه مسلم والحديث له روايات أخرى معروفة واستوعبها ابن حجر في شرح كتاب استتابة المرتدين بالبخاري

(3) متفق عليه

(4) (الصارم المسلول) ص 177 - 178

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت