أ - كون جنود المرتدين وأنصارهم يعتقدون أنهم مؤمنون أو أنهم على حق ٍ في نصرتهم للحاكم المرتد وقتالهم للمسلمين، كل هذا لايمنع من تكفيرهم ماداموا قد أتوا بسبب الكفر من قول أو فعل مكفر. ودليله قوله تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) الكهف: 103 - 104، وقوله تعالى (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الأعراف: 30، وقوله تعالى (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) البقرة: 111، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وتقييد التكفير بالاعتقاد هو مذهب غلاة المرجئة كما سبق تقريره، وإلا فالحكم بالكفر في الدنيا يترتب على الأقوال والأفعال الظاهرة.
بقي أن نقول: إن إحسان الكافر ظنه بنفسه إنما هو عقوبة من الله له على إعراضه عن الحق فيظن أنه على الهدى فيتمادى في كفرِه وضلاله كما قال تعالى (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) الزخرف: 36 - 37، وقوله تعالى (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) فاطر: 8، وقوله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) الصف: 5، ومثلها مريم 75، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ب - وليس من موانع التكفير وجود من يضلل جنود المرتدين من علماء السوء، وكونهم يقلدونهم على أنهم من أئمة الدين، فهذا رددت عليه عند الكلام في مانع الجهل قريبًا، وأنه لابد من وجود المضِلّ والمخالف والمستهزيء فهذه سنة قدرية لتتحقق سنة الابتلاء والمحنة، كما قال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) العنكبوت: 2، ونحوها من الآيات، وقد وصف الله الكفار بأنهم ضالون وأن هناك من يضلهم كما قال تعالى (وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ) المائدة:77، ومعظم كفر الكفار هو كفر تقليد لكبرائهم كما وصفهم الله بقوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا) البقرة: 170، وقال عليه الصلاة والسلام - في وصف عذاب القبر - (وأما الكافر - أو المنافق - فيقول: لا أدري، كنت أقول مايقول الناس. فيقال: لا دَرَيْت ولا تَلَيْت، ثم يُضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيحُ صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين) [1] . فمع كونه مقلدًا لغيره (كنت أقول مايقول الناس) لم يمنع هذا من كونه كافرًا معذبًا.
ج - وليس من موانع التكفير كون جنود المرتدين يُقِرَّون بالشهادتين أو يُصلّون، فهم لم يكفروا من جهة الامتناع عن الإقرار أو الصلاة، وإنما كفروا بسبب آخر وهو نصرة الحاكم الكافر وعلى هذا فلو نطق أحدهم بالشهادتين حال قتله أو قتاله فإن هذا لايمنع من قتله لأنه لا يُقَاتَل على الشهادتين بل لكفره بسبب آخر، وأعود فأنبّه على ماذكرته في شرح قاعدة التكفير من أن العبد لايؤمن إلا بمجموع خصال من شُعب الإيمان ولكنه يكفر بخصلة واحدة من شعب الكفر الأكبر. ومما يجلي عنك هذه الشبهة قوله تعالى (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ
(1) الحديث رواه البخاري (1338)