كما سبق بيانه من أن الممتنعين يُحكم عليهم بدون استتابه، وهذا إجماع الصحابة، ويدل عليه أيضا حديث العباس، وفيه أجرى النبي عليه الصلاة والسلام حكم الكفار عليه بخروجه في صف المشركين يوم بدر مع دعواه الإسلام والإكراه، وقد سبق ذكر هذا الحديث.
المسألة الرابعة: بيان أن الإكراه المعتبر لو وُجِدَ فإنه لايمنع من قتلهم وقتالهم.
وذلك لكونهم كفارًا حكمًا، والكافر يجوز قتله وقتاله، ولو كان مُكرهًا مسلما في الباطن، ودليله فيما ذكره ابن تيمية في كلامه عن قتال التتار الخارجين عن شريعة الإسلام مع دعواهم الإسلام، قال رحمه الله] ومَنْ أخرجوه معهم مكرها فإنه يُبعث على نيته. ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه إذ لايتميز المُكرَه من غيره.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خُسِفَ بهم. فقيل يارسول الله: إن فيهم المكرَه فقال: يُبعثون على نياتهم» . والحديث مستفيض عن النبي عليه الصلاة والسلام من وجوه متعددة، أخرجه أرباب الصحيح عن عائشة، وحفصة، وأم سلمة - ثم ذكر ابن تيمية روايات أخرى لنفس الحديث ثم قال - فالله تعالى أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته - المكرَه فيهم وغير المكرَه - مع قدرته على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره، وهم لايعلمون ذلك؟! بل لو ادعى مدع أنه خرج مُكرَهًا لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه، كما روي: أن العباس بن عبدالمطلب قال للنبي عليه الصلاة والسلام لما أسره المسلمون يوم بدر: يارسول الله! إني كنت مكرها. فقال: «أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله» . بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار. ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء. ومن قُتِلَ لأجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله - وهو في الباطن مظلوم - كان شهيدًا. وبُعث على نيته، ولم يكن قتلُه أعظم فسادًا من قَتْل من يُقْتل من المؤمنين المجاهدين.
وإذا كان الجهاد واجبًا وإن قُتِلَ من المسلمين ماشاء الله. فَقَتْل من يُقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا [[1] .
فهذا ما يتعلق بمانع الإكراه، فمن علم إكراهًا معتبرًا - ملجئًا - في حق أحد جنود المرتدين عامله كمسلم، وهذا لايمنع من حكمنا عليه بأنه كافر حكمًا مادام في صف المرتدين.
فهذه أهم الموانع الشرعية التي إذا وجدت في حق بعض جنود المرتدين لكانت مانعا من تكفيرهم في الباطن عند من يمكنه تبين ذلك منهم لأجل معاملة خاصة، وإلا فجميعهم كفار حكمًا على التعيين كما سبق تقريره.
(مسألة) هناك أمور قد يظنها البعض موانع من التكفير وليست كذلك، وأشرت إلى بعضها عند الكلام في الموانع في شرح قاعدة التكفير، وسيأتي ذكر بعضها في القسم التالي (نقد الرسالة الليمانية) ومنها:
(1) (مجموع الفتاوى) 28/ 535 - 538، وكرّره في ص 546 - 547