فهرس الكتاب

الصفحة 790 من 1285

شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) النحل: 106 - 107، فحملهم على ما فعلوا حُبّ العاجلة لا الإكراه.

وأما المناصرون بالفعل: فهم قسمان:

قسم لحق بجيش الحاكم المرتد باختياره: كالضباط الذين يلتحقون بالكليات العسكرية باختيارهم وكالجنود المتطوعين، فهؤلاء فعلوا مافعلوا باختيارهم فلا اعتبار للإكراه في حقهم.

وقسم آخر لحق بجيش الحاكم المرتد فيما يُسمى بالتجنيد الإلزامي - وهذا موجود ببعض البلاد لا كلها - أي أنه مفروض عليه هذا الإلتحاق، ولو لم يفعله لأضرَّ بدنياه من وجوه مختلفة كمنعه من الأعمال الحكومية ومَنْعِهِ من السفر ولتعرض لعقوبة الحبس، وهذه الأَضرار لاتبلغ حدّ الإكراه الملجيء المرخّص في الكفر، الذي يقع فيه بالتحاقه بجيش المرتد. فثبت بذلك أنه ليس ثَمَّ إكراه معتبر في حق هذا القسم أيضا.

وكل من القسمين يترك معسكره ويعود إليه باختياره، وفي كل ٍ من القسمين لو أظهر فرد التديّن قبل التحاقه بالجيش - خاصة لو اعتقل بسبب تدينه - لمُنِعَ من الخدمة بالجيش لدواعي الأمن العام حسب مصطلح الطواغيت، وفي كل من القسمين لو أظهر فرد التدين أثناء عمله بالجيش لأبعد من الخدمة فيه، ولو أطلق لحيته - في بعض البلدان - وهو بجيش المرتد لعوقب بالحبس ثم طرد من الجيش. كل هذا يؤكد أنه ليس ثَمَّ إكراه معتبر، وأن كل من يعمل بجيش المرتد فباختياره أو هو غافل معرض عن أمر دينه لايعنيه في شيء. هذا مايتعلق ببيان عدم توفر شروط الإكراه المعتبر في حق أنصار الحكام المرتدين.

المسألة الثانية: بيان أن الإكراه المعتبر لو وُجِدَ فإنه لا يرخص لهم في قتل المسلمين وقتالهم.

وهذا محل إجماع، فقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله] اتفق العلماء على أنه لو أكرِهَ على قتل معصوم لم يصح له أن يقتله، فإنه إنما يقتله باختياره افتداء لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم [[1] .

فالإكراه ولو اكتملت شروطه لا يرخص في قتل المسلمين ولا قتالهم، كما يفعله أنصار الحكام المرتدين وجنودهم، بل الواجب على هؤلاء إن كانوا يزعمون أنهم مسلمون أن يفعلوا كما قال ابن تيمية]بل قد أمر النبي عليه الصلاة والسلام المكرَه في قتال الفتنة بكسر سيفه وليس له أن يُقاتل وإن قُتِل، كما في صحيح مسلم عن أبي بكرة - وذكر الحديث ثم قال - والمقصود أنه إذا كان المكرَه على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يُقتل مظلوما، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام؟! كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أُكرِه على الحضور أن لايقاتل وإن قتله المسلمون [[2] .

المسألة الثالثة: بيان أن الإكراه المعتبر لو وُجدَ فإنه لايمنع من الحكم بكفرهم.

(1) (جامع العلوم والحكم) ص 329. وقد نقلت الإجماع على هذا من قبل عن القرطبي (تفسير القرطبي) 10/ 183، وعن ابن تيمية (مجموع الفتاوى) 28/ 539، ونقل هذا الإجماع أيضا كل من أبو إسحاق الشيرازي (فتح الباري) 12/ 312، وعزالدين بن عبدالسلام (قواعد الأحكام) 1/ 79، وغيرهم كثير

(2) (مجموع الفتاوى) 28/ 538 - 539

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت