فهرس الكتاب

الصفحة 850 من 1285

المسألة الثانية: اجتماع الحسنة والسيئة في العبد.

وهذا من أعظم أصول أهل السنة والجماعة التي خالفوا فيها غيرهم من الفرق، ومن هذا الباب أن المسلم قد يتكلم بحق وقد يتكلم بباطل، فنقبل ماقال من حق، ونرد ماقال من باطل. وهذه المسألة قد أوردتها لبيان أنه ليس معنى أن نقول إن فلانًا أخطأ في كذا وكذا أنه لايجوز نقل العلم عنه، بل الصواب في هذا الأمر التفصيل:

1 -فإن كان المخطئ من العلماء العدول فهذا ينقل عنه العلم بلاريب، وهو مأجور حتى في خطئه ولكن لايتابع عليه، وقد سبق ذكر أدلة ذلك.

2 -أما إن كان المخطئ من أهل البدعة فهذا في نقل العلم عنه تفصيل:

أ - فإن كانت بدعته مكفرة فلا يؤخذ عنه شئ من العلم.

ب - وإن كانت بدعته مفسقه، فيؤخذ عنه العلم بشرطين: ألا يكون داعية إلى بدعته، وألا يروي مايقوي بدعته.

وتفصيل ذلك تجده بمسألة (حكم الرواية عن المبتدع) بكتب مصطلح الحديث. وسواء روينا عنه العلم أو لم نرو فإن الله تعالى قد يجري الخير والهداية على أيدي المبتدعة، فإن الله لايخلق شرًا محضًا، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله] كالشيخ الذي فيه كذب وفجور من الإنس قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون خيرًا مما كانوا، وإن كان قصد ذلك الرجل فاسدًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم» .

وهذا كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي، فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل، ويَقْوَي بها قلوب كثير من أهل الحق، وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها، والخير والشر درجات، فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ماهو خير منه.

وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين: من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديهم خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارًا، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوًا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثمًا بذلك، ومع هذا فيحصل به نفعُ خلق ٍ كثير كانوا كفارًا فصاروا مسلمين، وذاك كان شرًا بالنسبة إلي القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير.

وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب والفضائل والأحكام والقصص، قد يسمعها أقوام فينتقلون بها إلى خير مما كانوا عليه، وإن كانت كذبا [[1] .

وخلاصة هذه المسألة:

1 -أنه ليس كل من يخطئ في مسائل الدين يكون فاسدًا أو مبتدعًا، بل قد يخطئ العالم الفاضل.

2 -كما أنه ليس كل من يصيب أو تقع على يديه هداية يكون صالحًا عدلًا مرضيًا، بل قد يقول الشيطانُ الحقَ، كما في قول رسول الله عليه الصلاة والسلام - لأبي هريرة - (أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم مَن تخاطب من ثلاث ليال

(1) (مجموع الفتاوى) 13/ 95 - 96

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت