رابعا - التفسير وأصوله
التزام المسلم بكتاب الله تعالى وعمله بأحكامه وآدابه متوقف على فهمه له، وسبيله إلى فهمه هو معرفة تفسيره ومعانيه ومُراد الله تعالى به، ولابد من أجل الوقوف على الصواب في هذا من معرفة طرق التفسير المختلفة وأيها أفضل؟ ويتم تقييم تفاسير المفسرين بناء على اتباعها للطريقة المُثْلى َ في التفسير.
ولا شك في أن الله تعالى هو أعلم بمراده من كلامه ثم رسوله عليه الصلاة والسلام هو أعلم الأمة بذلك ثم الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ولهذا كانت أفضل طرق التفسير هي مافُسِّر فيها القرآن بالقرآن نفسه ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة ثم التابعين. وتسمى هذه الطريقة بالتفسير بالمأثور وذلك في مقابل التفسير بالرأي.
وعند مطالعة التفاسير يلاحظ القاريء تعدد أقوال السلف من الصحابة والتابعين في الآية الواحدة واختلافها في الظاهر أحيانا بما يوهم أنه تناقض وليس الأمر كذلك.
ولهذا فهنا ثلاث مسائل ينبغي التنبيه عليها، وهي: أفضل طرق التفسير، وأسباب الخلاف بين السلف في التفسير، وأنواع التفاسير.
• المسألة الأولى: أفضل طرق التفسير
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله] إن أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، ومااختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر.
فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبدالله محمد ابن إدريس الشافعي: كل ماحكم به رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولاتكن للخائنين خصيما) - النساء 105 - وقال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل: 44 وقال تعالى (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل: 64، ولهذا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» يعني السنة. - إلى أن قال -
وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراءوهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين ... - إلى أن قال -
إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين - إلى أن قال رحمه الله: وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لاتكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى