بعده في هذا العلم.
ثم من بعدهم: الدار قطني (385 هـ) ، والخطيب البغدادي (463 هـ) ، وغيرهم.
فهؤلاء العلماء الجهابذة وأقرانهم عليهم مدار جرح الرواة وتعديلهم حتى نهاية القرن الثالث الهجري حين تم تدوين معظم كتب السنة المشهورة وتم حصر رواتها. وصار مَنْ يتكلم في الرجال بعد ذلك - كالحافظ المِزي والذهبي وابن حجر وغيرهم - إنما هم ناقلون لكلام هؤلاء العلماء الجهابذة المتقدمين، فصار الآخر عالة على الأول، وفوق كل ذي علم ٍ عليم.
أما المصطلحات والقواعد التي وضعها هؤلاء العلماء الجهابذة لضبط الرواية وللحكم على الرجال فكانت متفرقة أوتتناقل شفاهة إلى أن دوّنها القاضي الرامهرمزي (360 هـ) في كتابه (المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي) ، وكتب أبو عبدالله الحاكم صاحب المستدرك (405 هـ) كتابه (معرفة علوم الحديث) ، ثم جمع الخطيب البغدادي (463 هـ) ماكتبه مَن قبله في كتابيه (الكفاية) و (الجامع) ولم يترك فنًا من فنون الحديث إلا وكتب فيه وصار مَنْ بعده عيالًا على كتبه، حتى جاء أبو عمرو بن الصلاح (643ه) وكتب كتابه في علوم الحديث المعروف (بمقدمة ابن الصلاح) معتمدًا على كتب الخطيب، ووقعت هذه المقدمة من العلماء موقع القبول فعكفوا عليها بالاختصار والشرح والاستدراك والنظم، وصارت مقدمة ابن الصلاح الأساس لكل من كتب بعده في علوم الحديث وإلى يومنا هذا. وسُمّي العلم المختص بهذه القواعد والمصطلحات (بعلم مصطلح الحديث) أو (علم أصول الحديث) .
وتسمى مجموع العلوم المختصة بضبط الرواية (بعلم الحديث دراية) والذي يشتمل على علم المصطلح وعلم الرجال بشقيه (تاريخ الرواة والجرح والتعديل) .
وهذه العلوم جميعها (علم الحديث رواية بأنواعه، وعلم الحديث دراية بأنواعه) هي حصيلة جهود السلف في حفظ السنة تدوينًا وروايةً وضبطًا.