سبق أن تكلمنا في أهمية الترجيح في أكثر من موضع في هذا الكتاب، خاصة في القسم الخامس من أحكام المفتي بالفصل الأول من الباب الخامس، ومنها ما ذكرناه في (صفة العلم المطلوب تحصيله) في الفصل الأول من هذا الباب، وفيه ذكرنا أنه ينبغي لطالب العلم أن يعرف مجموع أدلة كل مسألة، وأقوال العلماء فيها، والقول الراجح منها الذي تعضده الأدلة، وذكرنا هناك قول ابن تيمية رحمه الله [الفقيه: الذي سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة، وعنده مايعرف به رجحان القول] [1] .
فإذا عرف الطالب القول الراجح في مختلف المسائل كان عابدًا لله على بصيرة وصواب، وكان مفتيًا غيره بالحق الموافق للكتاب والسنة. فإذا فرَّط في هذا ضلَّ وأضلَّ، وهلك وأهلك.
وهنا ينبغي التنبيه على أن لفظ (الراجح) يرد في كلام الفقهاء على معنيين: أحدهما الراجح في المذهب، والثاني الراجح في الشرع.
فأحيانا: يقصدون بلفظ الراجح أي القول الراجح في مذهب معين، وهو القول الذي عليه أكثر فقهاء المذهب، أو القول الذي نصّ عليه إمام المذهب، أو القول المتأخر لإمام المذهب أو قول أكثر أصحابه أو قول ألزم أصحابه به إذا تعددت أقوال الإمام.
وأحيانا: يقصدون بلفظ الراجح أي الراجح في الشرع الذي تشهد له نصوص الكتاب والسنة وإن كان بخلاف الراجح في المذهب.
وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله هذين النوعين في قوله [ومن كان خبيرًا بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، وإن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح في الشرع] [2] .
ونحن في كلامنا عن الترجيح إنما نريد به المعنى الثاني، وهو معرفة الراجح في الشرع، وهو الحق والصواب الذي نتعبد به الله تعالى وإن خالفه من خالفه من العلماء.
وتتكون ملكة الترجيح لدى الطالب بأسباب أهمها:
1 -الاكثار من حفظ الأدلة من نصوص الكتاب والسنة خاصة مايستدلون به في الأحكام.
2 -دراسة قواعد الترجيح نظريًا من كتب أصول الفقه، وقد ذكرت مواضعها في آخر المبحث السابق.
3 -دراسة التطبيق العملي لقواعد الترجيح، وذلك بقراءة ترجيحات العلماء في كتب الفقه المبسوطة، وشروح آيات الأحكام وأحاديث الأحكام.
فمع هذه الدراسة تتكون على التدرج ملكة الترجيح لدى الطالب فتقوده إلى معرفة الراجح في الشرع وهو ماتشهد بصحته نصوص الكتاب والسنة.
ولكن، وحتى تتكون هذه الملكة لدى الطالب فإنه ينبغي له أن يستعين ببعض الكتب التي ترشده إلى ذلك، ويأتي على رأس كتب الترجيح: كتابات ابن تيمية ثم كتابات ابن القيم ثم كتابات الشوكاني ثم كتابات ابن حزم رحمهم الله.
1 -أما كتابات ابن تيمية رحمه الله في الترجيح الفقهي:
فهي مستودعة بمجموع فتاويه من المجلد الحادي والعشرين إلى المجلد الخامس والثلاثين.
وطريقة الدراسة: أن يدرس الطالب بابًا من أبواب الفقه في الكتب التي سنوصي بها فيما بعد إن شاء الله، ثم يدرسه في
(1) (الاختيارات الفقهية) ص 333
(2) (مجموع الفتاوي) 20/ 228 - 229