المسألة الثانية: اختيار المذهب
إذا تبين من المسألة السابقة الحاجة إلى دراسة الفقه من كتب المذاهب، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هو أي المذاهب نختاره للدراسة؟.
والجواب: هو أنه ينبغي أن يُعلم أن المذاهب ماهى إلا وسائل وطرق موصلة لمعرفة الأحكام الشرعية التي بينها الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وكلما كان المذهب أكثر أخذًا بنصوص الكتاب والسنة، وأقل مخالفة للسنن الثابتة كلما كان مؤديا إلى معرفة الأحكام الشرعية الصحيحة، وهذا هو أساس المفاضلة بين المذاهب، والذي يجعلنا نختار دراسة الفقه من كتب المذهب الحنبلي، لأنه أكثر المذاهب أخذًا بالسنن وأقلها مخالفة للأحاديث الصحيحة.
وتفصيل هذا هو أن المذاهب المتبوعة أربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.
أولا: أما المذهب الحنفي:
فهو أكثر المذاهب مخالفة للسنن الصحيحة، قال أبو عمر بن عبدالبر [أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة وتجاوزوا الحدّ في ذلك، والسبب والموجب لذلك عندهم ادخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون إذا صَحّ الأثر بطل القياس والنظر، وكان ردّه لما ردَّ من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وجُل مايوجد له من ذلك ماكان منه اتباعا لأهل بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود، إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فأتى منه من ذلك خِلافٌُ كبير للسلف وشِنَعٌُ هي عند مخالفِيهم بدع، وماأعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سُنة ردّ من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ أوادعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا وهو يوجد لغيره قليل] [1] .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي [اعلم أن كلا من الأئمة أخذت عليه مسائل، قال بعض العلماء إنه خالف فيها السنة، وسنذكر طرفًا من ذلك إن شاء الله. أما الإمام أبو حنيفة رحمه الله فهو أكثر الأئمة في ذلك، لأنه أكثرهم رأيا. ولكثرة المسائل التي حصل فيها القيل والقال من ذلك لانحتاج إلى بسط تفصيلها. وبعض المسائل التي قيل فيها ذلك يظهر أنه لم يبلغه السنة فيها، وبعضها قد بلغته السنة فيها، ولكنه تركها لشئ آخر ظنه أرجح منها.] ثم ذكر الشنقيطي بعض الأمثلة على ذلك. [2] .
هذا وقد أفرد أبو بكر بن أبي شيبة (235هـ) كتابًا في مصنّفه بعنوان (كتاب الرد على أبي حنيفة) قال أبو بكر: [هذا ماخالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام] ثم ذكر ابن أبي شيبة نحو خمسمائة أثر من رقم 36049 حتى 36534. [3]
ثانيا: وأما المذهب المالكي:
فمخالفاته للسنة كثيرة، وهو يلي المذهب الحنفي في ذلك، وسببه اعتماد الإمام مالك رحمه الله على عمل أهل المدينة في زمانه كدليل وحجة، وكان لايعمل بحديث الآحاد الصحيح إذا خالف عمل أهل المدينة وكان يرى أنهم في عملهم متابعون لمن قبلهم حتى الصحابة، وكان يقول بمقالة شيخه ربيعة بن عبدالرحمن (ربيعة الرأي) : «ألف عن ألف خير من
(1) (جامع بيان العلم) 2/ 148
(2) (أضواء البيان) 7/ 556
(3) انظر (مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة) ج 7 ص 277 - 325، ط دار التاج ببيروت 1409هـ