فهرس الكتاب

الصفحة 984 من 1285

واحد عن واحد»، أي أن العمل الذي نقله ألف عن ألف خير من الحديث الذي نقله واحد عن واحد. فأعطى للعمل حكم المتواتر ورجحه على ماعارضه من خبر الآحاد.

وقد رد على مالك في زمانه ومن بعده كثير من العلماء، منهم الليث بن سعد 175هـ، فقيه مصر، فكتب رسالته المشهورة إلى مالك وقد أوردها ابن القيم في كتابه (اعلام الموقعين) ج 3 ص 94 - 100. كما رد على مالك محمد بن الحسن الشيباني 189هـ، وهو من أصحاب أبي حنيفة، فكتب كتابه (الحجة على أهل المدينة) طبعته دار عالم الكتب في 4 مجلدات، وكتب الشافعي 204هـ كتابه (اختلاف مالك) هذا غير كثير من المسائل التي ذكر مخالفة مالك فيها في الأبواب المختلفة بكتابه الكبير (الأم) .

قال ابن عبدالبر [عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام مما قال مالك فيها برأيه، قال: ولقد كتبت إليه في ذلك] [1] . وقد أورد ابن القيم رسالة الليث إلى مالك في كتابه (اعلام الموقعين) ج 3 كما ذكرت آنفا.

وأفرد ابن حزم فصلا في كتابه (الإحكام) بعنوان (فصل في ابطال ترجيح الحديث بعمل أهل المدينة وابطال الاحتجاج بعملهم أيضا) وذكر ابن حزم أمثله من مخالفات مذهب مالك للحديث الصحيح، ثم قال [فهذا ماتركوا فيه عمل رسول الله عليه الصلاة والسلام من روايتهم في الموطأ خاصة، ولو تتبعنا ذلك من رواية غيرهم لبلغ أضعاف ماذكرنا، وماخالفوا فيه أوامره عليه السلام من روايتهم ورواية غيرهم أضعاف ذلك، ولعل ذلك يتجاوز الألوف، فقد بطل كما ترى ماادعوه من اتباع عمل النبي عليه الصلاة والسلام] [2] .

وقال ابن حجر رحمه الله [إذا كان المراد - بتفضيل أهل المدينة - تقديمهم في بعض الأعصار، وهو العصر الذي كان فيه النبي مقيما بها فيه، والعصر الذي بعده من قبل أن يتفرق الصحابة في الأمصار، فلاشك في تقديم العصرين المذكورين على غيرهم، وإن كان المراد استمرار ذلك لجميع من سكنها في كل عصر فهو محل النزاع ولا سبيل إلى تعميم القول بذلك] [3] ، وقال ابن حجر أيضا [والراجح أن أهل المدينة ممن بعد الصحابة إذا اتفقوا على شيء كان القول به أقوى من القول بغيره، إلا أن يخالف نصًا مرفوعًا، كما أنه يُرَجَّح بروايتهم لشهرتهم بالتثبت في النقل وترك التدليس] [4] . هذا مايتعلق بمذهب مالك.

فلم يبق بعد ذلك إلا مذهبا الشافعي وأحمد، ومذهب أحمد أكثر متابعة للسنة وقد شهد الشافعي لأحمد برسوخ القدم في علم الحديث، فقال الشافعي رحمه الله [أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر، وقال: خرجت من بغداد وما خلفت بها أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل، وقال لأحمد: أنتم أعلم منا بالحديث، فإذا كان الحديث كوفيا أو شاميا فأعلموني حتى أذهب إليه، وقال: كل مافي كتبي: حدثني الثقة فهو أحمد بن حنبل.] [5]

وفي ترجيح مذهب أحمد على غيره، قال ابن تيمية رحمه الله [وأحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لايكاد يوجد له قول يخالف نصًا كما يوجد لغيره، ولايوجد له قول ضعيف في الغالب إلا

(1) (جامع بيان العلم) 2/ 148

(2) (الإحكام) 2/ 97 - 105

(3) (فتح الباري) 13/ 312

(4) (فتح الباري) 13/ 307

(5) (صفة الفتوى) لابن حمدان، ص 76

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت