النساء: 5، و (قياما) أصلها قوامًا واستبدلت الياء بالواو لمناسبة الكسر قبلها، وكون المال قوام العيش والحياة مما يبين أهميته، وقد قدم الله تعالى الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي جمعت بينهما في القرآن - باستثناء آية المبايعة بسورة التوبة (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى ... ) التوبة: 111- لأن الجهاد بالنفس لايتم إلا بعد بذل المال لإعداد مايلزم الجهاد من عدة الحرب ونفقة الجند، وقد ذكرت هذا في كتابي (العمدة) بشئ من التفصيل.
ومع أن كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية السابقة قد تناولت موضوع السياسة المالية للدولة، إلا أنه ولأهمية المال للدولة الإسلامية فقد أفرد العلماء هذا الموضوع بكتب مستقلة، منها:
1 -كتاب (الخراج) للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم 192 هـ، صاحب أبي حنيفة.
2 -كتاب (الخراج) ليحيي بن آدم القرشي 203 هـ من شيوخ البخاري.
3 -كتاب (الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلام 224 هـ، طبع مكتبة الكليات الأزهرية، بتحقيق الشيخ محمد خليل هراس، وهو أكبر هذه الكتب.
4 -كتاب (الأموال) لحُميد بن زنجويه 251 هـ، مطبوع في 3 مجلدات بتحقيق د. شاكر زيب فياض، ط مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وهذا الكتاب يقارب كتاب (الأموال) لأبي عبيد في المستوى.
ويوجد أيضا كتاب (الاستخراج لأحكام الخراج) لابن رجب الحنبلي 795 هـ، مطبوع محقق، وهو دون الكتب السابقة في الفائدة.
خامسا: التنبية على أخطاء بعض المعاصرين في هذا الموضوع
أثّرت العلمانية (الجاهلية) المعاصرة على كتابات المعاصرين في السياسة الشرعية بدرجات متفاوتة وبدوافع مختلفة، وترجع البداية الحقيقية للعلمانية المعاصرة إلى نشوب الثورة الفرنسية 1789م وما صاحبها من أفكار تمخضت عن فصل الدين عن الدولة وحصر ممارسة الدين في دور العبادة مع إلغاء هيمنته على كافة الأنشطة السياسية والإقتصادية والإجتماعية في الدولة. وقد كان هذا التقليص لهيمنة الدين على الحياة رد فعل للطغيان الذي مارسه الملوك ورجال الكنيسة على الناس باسم الدين، فكفر الناس بهذا الدين الذي كان سبب شقائهم واستعبادهم واتخذوه وراءهم ظهريا، حتى قال ميرابو - أحد قادة الثورة الفرنسية - (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس) ، ثم قال كارل ماركس من بعده (الدين أفيون الشعوب) لمِا رآه من استغلال رجال الدين للدين في تخدير الشعوب وجعلها تحتمل طغيان الحكام واستغلالهم، وقد كان هذا الحلف النجس بين الحكام ورجال الدين ولايزال يفسد على الناس دينهم بصدهم عن سبيل الله ويفسد عليهم دنياهم بظلمهم وأكل أموالهم بالباطل في كل زمان ومكان، حتى قال عبدالله بن المبارك رحمه الله 181هـ:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... . . ... وأحبار سوء ورهبانها
وأراد بالملوك: الحكام الجبابرة، وأراد بأحبار السوء: علماء السوء الذين يضلون الناس عن سبيل الله ويلبسون الحق بالباطل ويخلعون على الحكام الفاسدين خِلعة الشرعية لينقاد لهم العامة، فليس أضرّ على الإسلام وأهله من هذا الحلف النجس الخبيث الذي حمل بعض أبناء المسلمين على أن يقولوا إن الدين أفيون الشعوب، والدين برئ من هؤلاء وهؤلاء.
وقد تمخضت العلمانية المعاصرة - وهي الثمرة الخبيثة للثورة الفرنسية -
• في مجال السياسة: عن اعتماد الديمقراطية بما تعنيه من حق البشر المطلق في تشريع ما يشاءون كأساس للنظم السياسية يحل محل الأديان والشرائع. وقد قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21.