فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 1285

• وتمخضت العلمانية في مجال التشريع عن وضع القوانين الوضعية البشرية للحكم بها بدلا من الشرائع السماوية وقد قال تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44.

• كما تمخضت العلمانية في المجال الاجتماعي عن اطلاق الحريات الشخصية دون قيود كحرية الكفر، وحرية الزنا والعري وشرب الخمر وغيرها. قال تعالى (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) النساء: 27.

• وتمخضت في المجال الاقتصادي عن اعتماد الربا - وهو محرم في كل الشرائع السماوية - كأساس للتعامل سواء بين الأفراد أو بين الدول. قال تعالى (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) النساء: 161.

وتم ترجمة جميع ما تمخضت عنه العلمانية إلى نصوصٍ في الطواغيت الجديدة المسماة بالدساتير، فالديمقراطية يعبر عنها في الدساتير بقولهم (يتولى مجلس الأمة سلطة التشريع) ، والحكم بالقوانين الوضعية يعبرون عنه بقولهم (الحكم في المحاكم بالقانون) ، واطلاق الحريات يعبرون عنه بقولهم (حرية الاعتقاد مكفولة) وقولهم (الحرية الشخصية مكفولة) ونحو ذلك من النصوص الدستورية. وحلّت هذه الدساتير محل الكتب السماوية في العمل بها وفي تقديسها، فصار الناس يتحاكمون إليها، وصارت هي مرجعهم عند التنازع، فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلي الدستور لا إلى الله والرسول عليه الصلاة والسلام كما أمر الله في قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59، وصار لهذه الدساتير فقهاء هم فقهاء القانون الدستوري كما أن للشريعة فقهاء، كل هذا مما يجعلنا نقول - بلا أدنى ريب - إن هذه الدساتير هي آلهة معبودة من دون الله، يكفر كل من وضعها أو شارك في وضعها، ويكفر كل من تحاكم إليها أو دعا إلى تحكيمها والتحاكم إليها، كما يكفر كل من عظّمها أو دعا إلى تعظيمها واحترامها وإن كان يتسمى بأسماء المسلمين أو يقرُّ بالشهادتين أو كان يركع في اليوم ألف ركعة. قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) النساء: 60.

وتم فرض هذه الدساتير الكافرة على بلاد المسلمين بقوة الاحتلال المسلح وبتزيين من المستشرقين الكافرين واتباعهم المستغربين من أبناء المسلمين لتهيئة الرأي العام لتقبل هذه الدساتير بل واعتبار الحصول عليها انتصارًا كبيرًا. ومن أقدم هذه الدساتير العلمانية وضعًا في بلاد المسلمين - ولا أقول ديار الإسلام - هو دستور 1923م في مصر، وكان مستمدًا من الدستور البلجيكي، حتى أنه عندما حدث خلاف بين ملك مصر آنذاك الملك فؤاد وبين رئيس الوزراء سعد زغلول حول تفسير أحد النصوص الدستورية احتكما إلى قاضٍ بلجيكي هو النائب العام للمحاكم المختلطة بمصر آنذاك، لأن الدستور مستمد من دستور بلجيكا [1] . وأصبح دستور 1923 م هو أساس الدساتير التي وضعت من بعده في مصر وفي كثير من البلاد العربية.

وأمام هذه الهجمة الجاهلية (العلمانية) العاتية بخيلها وخيلائها، المدعومة بجيوش الاحتلال المسلحة، والمسخرة لها كافة وسائل الاعلام والسائر في ركابها عِلية القوم في شتى البلدان، أصاب الوهن طائفة من المنتسبين إلى الإسلام فهرعوا يزعمون أن الإسلام لايقل بحال عن هذه النظريات الدستورية والقانونية الحديثة، وأن نظام الحكم الدستوري يتفق مع الإسلام، وأن الديمقراطية هي الشورى وأنها بضاعتنا ردت إلينا، وأن الإسلام هو أول من نص على احترام الحريات،

(1) ذكر هذا أحمد حسين في كتابه (موسوعة تاريخ مصر) ط دار الشعب بالقاهرة، ج 5 ص 1778

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت