وفاتهم أن الحريات المحترمة في العلمانية هي حرية الردّة والزنا والربا وشرب الخمر، فلما طبقت بعض هذه البلاد الاشتراكية، قالوا بأنها من لُب الإسلام ومن صميمه، إلى غير ذلك من مفردات المنهج الانهزامي التلفيقي والذي ظهر في مصر منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي على يد رفاعة الطهطاوي ثم الشيخ محمد عبده ومدرسته إلى آخر اتباع هذا المنهج الذين أرادوا التوفيق بين شريعة الإسلام وشرائع الكفر على خلاف مايريده الله تعالى من المفاصلة والمفارقة التامة بينهما كما قال تعالى (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) الأنفال: 37، وقال تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون: 6. فأتى هؤلاء ليخلطوا الخبيث بالطيب، ويعتذرون كما اعتذر أسلافهم بقولهم (إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) النساء: 62.
قال الدكتور محمد محمد حسين[وحقيقة الأمر في حركة الشيخ محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني الذي اقترن اسمه به في الشطر الأول من حياته لاتزال تحتاج إلى مزيد من الوثائق التي توضح موقفهما وتزيل مايحيط به من غموض ومن تناقض فيما اجتمع حولهما من أخبار. فبينما يُنزّله رشيد رضا - ومعه كل أتباع الشيخ محمد عبده الذين ازداد عددهم على الأيام - منزلة الاجتهاد في الدين، ويرفعونه إلى أعلى درجات البطولة والإخلاص الذي لا تشوبه شائبة، كان كثير من علماء الشريعة المعاصرين له يتهمونه بالمروق من الدين والانحراف به وتسخيره لخدمة العدو. فإذا تركنا هؤلاء وهؤلاء ممن قد يجد الطاعنون سبيلا إلى رميهم بالتحيز والمحاباة، أو التحامل والتزمت، وجدنا كثرة من النصوص في كتب ساسة الغرب ودارسيه تصوِّر رأيهم فيه وفي مدرسته وتلاميذه ومكانه من الفكر الحديث. وهي جميعًا تتفق على تمجيده والإشادة به وبما أداه للاستعمار الغربي من خدمات، بإعانته على تخفيف حدة العداء بينه وبين المسلمين، وهو عداءٌ يستتبع آثارًا سياسية تضر مصالحه وتهدد بإذكاء الثورات التي لاتفتر ولا تنقطع.
وإلى جانب ذلك كله نجد إشارات صريحة في كتاب لأحد كبار رجال الماسونية في مصر - ومن المعروف أنها دعوة تخدم الصهيونية العالمية - تؤكد أن جمال الدين الأفغاني كان رئيس (محفل كوكب الشرق) الماسوني. كما تؤكد أن محمد عبده كان عضوًا في هذا المحفل. إذ يقول:
[وقد ظهرت الماسونية في سورية في مظهر الإخلاص والمحبة أثناء الحوادث العرابية سنة 1882 م فإن الإخوان المصريين والمهاجرين الذين جاءوا سورية قابلهم إخوانهم بالترحيب العظيم، ودعوهم إلى محافلهم ومنازلهم. وكان الأفاضل الشيخ محمد عبده وإبراهيم بك اللقاني وحسن بك الشمسي وجماعة المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني وغيرُهم يحضرون معنا في محفل لبنان ويخطبون، فيشنفون أسماع السوريين بخطبهم النفيسة وأحاديثهم الطلية. ونال الأستاذ الشيخ محمد عبده رتبة البلح والصدف من المندوب الأمريكي الذي حضر إلى محفل لبنان] .
ومما يؤكد هذه النصوص ويزيد قيمتهاأن الشيخ محمد رشيد رضا - وهو أكثر تلاميذ محمد عبده تعصبًا له - قد أيدها في كتابه (تاريخ الأستاذ الإمام) [1] .
وقال الدكتور محمد حسين أيضا [واتجه محمد عبده بعد عودته من المنفى إلى التقريب بين الإسلام وبين الحضارة الغربية. واتخذ اتجاهه هذا أشكالا مختلفة. فظهر أحيانًا في صورة مقالات أو مشاريع أو برامج تدعو إلى إدخال العلوم العصرية في الجامع الأزهر. وظهر تارة أخرى في صورة تفسير لنصوص الدين من قرآن أو حديث، يخالف ماجرى عليه السلف في تفسيرها، ليقرب بها إلى أقصى ما تحتمله - بل إلى أكثر مما تحتمله في بعض الأحيان - من قُرْب لقيَم الغرب
(1) (الاتجاهات الوطنية) ج 1 ص 328 - 329