وتفكيره، لكي يصل آخر الأمر إلى أن الإسلام يساير حضارة الغرب ويتفق مع أساليب تفكيره ومذاهبه.] [1] . هذا ما يتعلق بنشأة المذهب الانهزامي التلفيقي الذي يتبعه أكثر المعاصرين الذين يكتبون في السياسة الشرعية، وهو مذهب أسسه محمد عبده وتلاميذه.
فليكن كل مسلم على بينة ٍ من هذا، حتى لا يقع فيما وقع فيه هؤلاء، فالإسلام يعلو ولايُعلى، والإسلام أعلى وأعزّ من أن يقارن بنجاسات المشركين من الديمقراطية والاشتراكية والقوانين الوضعية، الإسلام دين الله وهذه المذاهب دين الكافرين وقد قال تعالى (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) النحل: 60.
ثم نعود بعد هذا التمهيد إلى الحديث عن أخطاء المعاصرين في مسائل السياسة الشرعية، تلك الأخطاء التي شحنت بها كثير من الكتب المتداولة في هذا الموضوع، وهي من ثمار المنهج الانهزامي التلفيقي الذي بيّنا أصله آنفا. فمن هذه الأخطاء الشائعة والتي أرادوا نسبتها إلى شريعة الإسلام زورًا وبهتانا:
1 -بدعة وضع الدساتير.
ولانقول هذا عن الدول المعاصرة المحكومة بقوانين وضعية، فهذه أتت من المكفرات ما هو أعظم من هذه البدعة، ولكني أقول هذا عن دولة الإسلام المأمولة، فقد زعم بعض الكتاب الإسلاميين أنه يجوز وضع دستور لهذه الدولة على نمط الدساتير العلمانية في أقسامه وليس في مواده التي يجب أن تستمد من الشريعة، وتطوع بعضهم فكتب هذا بعنوان (تدوين الدستور الإسلامي) ، وهذا بعنوان (نحو دستور إسلامي) ونحو ذلك وأقول إن وضع مثل هذه الدساتير بدعة، وإن كانت مستمدة من الشريعة، كيف وأصحاب هذه العناوين قد شحنوا كتبهم بمخالفات شرعية بزعم الاجتهاد؟.
فوضع الدساتير - وكما ذكرت في العجالة السابقة - من الثمار الخبيثة للعلمانية التي هي الجاهلية المعاصرة، وقد وضع الكفار هذه الدساتير لأنهم ليس لهم دين صحيح أو شريعة مستقيمة يرجعون إليها، وقد ذاقوا الويلات من ديانتهم المحرفة التي يُبدل فيها الأحبار والرهبان كما يشاءون بناء على قرارات المجامع الكنسية. فاصطلح الكفار على وضع كتب تحقق مصالحهم بحسب ماتدركه عقول البشر القاصرة، وهي الدساتير، وصاروا يحتكمون إليها كأنها كتب سماوية.
أما نحن المسلمين فقد أغنانا الله عن ذلك، فشريعتنا مصونة محفوظة من التبديل والتحريف، وشريعتنا كاملة تغني عما عداها كما ذكرت في مبحث الاعتصام بالكتاب والسنة، فلماذا نكتب كتابا نحتكم إليه كما فعل الكفار؟، أم أن هذا من اتباع سنن الكافرين الذي أخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنه واقع في هذه الأمة في قوله (لتتبعن سنن من كان قبلكم) الحديث؟.
وإذا مَنّ الله على المسلمين بدولة إسلامية وخليفة للمسلمين فهل ستكون بيعته على كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام أم على الدستور؟، ونقول: إن بيعات الخلفاء المنقولة في كتب السنة كانت على الكتاب والسنة. روى البخاري أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كتب بيعته إلى أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان فقال [أقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت] [2] هذه بيعات المسلمين، فلماذا نخالف هدي السلف الصالح، إما أن يكون المخالف لهم على ضلالة وإما أنهم كانوا على ضلالة؟، وإذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام قد شهد لهم بأنهم خير القرون وخير هذه الأمة، وشهد بأن الآخر شر من الأول في قوله عليه الصلاة والسلام (لا يأتي عليكم يوم
(1) (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) د. محمد محمد حسين، ج 1 ص 337، ط مؤسسة الرسالة 1403 هـ
(2) (حديث 7203)