فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 412

ومن هنا اكتسب قيمة في المكتبة العربية بحيث بات المصدر الأوفى والمنهل الأصفى للباحثين في الدخيل والعامية، فضلا على المدققين المهتمين بلغة البلدان وكلامهم. ومن يطالع «شفاء الغليل» يقع في أثناء قراءة شواهده على قوله: وهذه لغة أهل بغداد، وأهل مصر يسمونه كذا وبذلك تتسع الإفادة منه، وترتقي أهميته إلى درجة بات معه كتابا في لغة البلدان العربية، يكمل الكتب التي تهتم بلهجات القبائل العربية، ويصبح هو وإياها وجهين لعملة واحدة هي اللغة العربية.

ونظرا لهذه الفائدة السنية، عملنا على إخراج «شفاء الغليل» بحلة قشيبة، عن طريق توثيق نصه، وضبط ألفاظه، وتصحيح أخطائه، وإبراز هنات طبعته القديمة،

وفهرسة محتوياته.

وشفاء الغليل يقدم خدمة للدارسين والباحثين في العامية والدخيل بالإضافة إلى ما احتواه من مادة يبرز من خلالها التأكيد على أمرين: الأول أن الدخيل عرفته العربية منذ عصورها الأولى، كما عرفته في العصور المتأخرة والحاضرة، وإن كان الكم أكبر والنوع أكثر في الاونة الأخيرة. والثاني أن العامية أو اللغة الشعبية عرفها المجتمع العربي في الوقت الذي عرف الفصحى على أغلب الظن. والأمران السابقان يوضحان بعض المفاهيم العالقة خطأ في أذهان الناس، منها قولهم إن العامية هي فتات الفصحى وصورة من صور انكسارها ووهنها، وما دروا أنها قائمة بقيام الفصحى، وأن العامية (الشعبية) هي في حقيقة أمرها خليط من لغات القبائل العربية القديمة [1] ، وأن العربي في كلامه العامي لم يبتدع ألفاظا من جعبته، بل نقلت إليه بالتواتر على لسان العرب، عن طريق اللهجة الشعبية التي ورثها كابرا عن كابر، يضاف إليها الألفاظ والعبارات الأعجمية التي ترفد العامية، متلونة من عصر إلى اخر. إذ أعجمية العصور الأولى من الفارسية والنبطية والسريانية واليونانية وهي الشعوب التي عاصرت العرب في تلك الاونة. أما عامية اليوم فيبرز فيها الأعجمي من خلال الألفاظ الفرنسية والإنكليزية وغيرهما مما افترضتها الحياة الاجتماعية اليوم. والأمر الثاني أن اللغة العربية لم تكن بدعا بين اللغات في هذا الأمر، فهي تستعير كغيرها وتقترض من اللغات الاخرى في كل عصر، وليست وقفا على العصر الحديث، عصر الاختراعات والصناعات وغزو الفضاء وفي هذا دلالة على حيوية العربية، وقدرتها على التأقلم والمرونة مع كل عصر، وكل مخترع ومكتشف

ففيها بذور الحياة التي تمدّها دائما بالنمو والحياة وبكلمة يمكن القول بوجود الدخيل والعامية في كل عصر، تمليهما طبيعة الحياة الاجتماعية. وإذا كنا نتأفف اليوم من سعة حجم الدخيل، فقد سبق وزفر غيرنا في العصور الخوالي من كثرة الدخيل، يصدقه قول المتنبي: [من الوافر] :

(1) من أمثلة قولهم «بس» و «أيش» و «امبارحة» ، وهي لغات في قبائلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت