فهرس الكتاب

الصفحة 1003 من 1285

رغبات الشعب] [1] . وقد علمت مما سبق أن البرلمان ليس مجرد (منبر الأمة) كما قال البنا وإنما هو مجلس الشرك ومجلس التشريع من دون الله، ولايغيّر هذه الحقيقة تسميته بغير اسمه، كما أن الالتحاق بعضوية البرلمان ليس مجرد تبليغ للدعوة بل إقرار بالصفة الشركية للبرلمان كما أسلفت. وكما سمّى البنا هذا العمل بالدعوة فقد سمّاه كثير من المعاصرين بالعمل السياسي، وقد علمت أن الأسماء لاتغيّر من الحقائق شيئا، فالكفر هو الكفر وإن سمّاه الناس بالديمقراطية أو العمل السياسي، والخمر هي الخمر وإن سمّاها الناس بأسماء أخرى، وقد أخبرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنه يأتي زمان على الناس يُسمّون الخمر بغير إسمه يستحلونه بذلك. واختراع الأسماء لطمس حقيقة المسمى إنما هو اتباع لسُنة إبليس الذي قال لآدم - فيما قصّ الله علينا - (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) طه: 120، فسمّاها إبليس بشجرة الخلد وهي شجرة الحسرة والندامة. فهؤلاء الذين يسمون الكفر والشرك بغير إسمه تلبيسا وخداعا للمسلمين إنما يتبعون السُّنة الإبليسية.

قال ابن القيم رحمه الله [إن باب الحيل مداره على تسمية الشيء بغير اسمه، وعلى تغيير صورته مع بقاء حقيقته، فمداره على تغيير الاسم مع بقاء المسمى، وتغيير الصورة مع بقاء الحقيقة - إلى أن قال - وإنما أتى هؤلاء من حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الإسم ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرَّم وثبوته - إلى قوله - منها ما رواه النسائي عنه عليه الصلاة والسلام «يشرب ناسٌ من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» واسناده صحيح] [2] . وسيأتي إن شاء الله بعض كلامه في ذم الحيل المحرمة.

وأقول: إن أعضاء هذه البرلمانات الشركية يكفرون وإن لم يشاركوا في وضع التشريعات المخالفة للشريعة، لأن قبولهم بعضويتها هو إقرار بوظيفتها، ومن أقر الكفر كفر، وأيضا لقوله تعالى (إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) النساء: 140، وقبل هذا وذاك فإن ترشحهم لعضوية البرلمانات هو تحاكم منهم باختيارهم للطواغيت المسماة بالدساتير القاضية بتشكيل هذه البرلمانات والملزمة بوظيفتها الشركية، ومن تحاكم إلى الطاغوت باختياره كفر، أما الذين ينتخبونهم لعضوية البرلمانات فيكفرون أيضا، لأن انتخابهم هذا هو في حقيقته اتخاذُ أربابٍ من دون الله، كما أنه في مضمونه إقرار بوظيفة البرلمانات التشريعية المطلقة، وهذا كله من الكفر الصريح الذي دلت عليه النصوص السابقة ونحوها، فلا ينظر فيه إلى قصد فاعله كمن يزعم أن نيته الدعوة إلى الله أو الاطلاع على أسرار الحكومة وغير ذلك، مادام قد قصد الفعل المكفر نفسه وهو الترشيح أو الانتخاب فهو كافر دون النظر إلى قصده القلبي [3] ، كما ذكرته في شرح قاعدة التكفير في مبحث الاعتقاد.

(1) جريدة «الإخوان المسلمون» 18/ 11/ 1363 هـ نقلا عن مجلة لواء الإسلام 11/ 1409 هـ

(2) (اغاثة اللهفان) 1/ 386 - 387

(3) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[أقول بالنسبة للمنتخِبين فلا بدّ فيهم من التفصيل، وذلك لأن المنتخِب لا يباشر التشريع ولا يقع في المكفرات العديدة التي يقع فيها العضو الذي ينتخبه للبرلمان من قسم على احترام الدستور والولاء لأربابه، أو تحاكم إلى القوانين، وتشريع ما لم يأذن به الله وفق القوانين الوضعية وغير ذلك، يكفر إذا انتخبه ووكّله وأنابه عنه، للقيام بهذه الأعمال الكفرية، ولذلك يسمّى العضو نائبًا لأنه ينوب عن قطاع الشعب الذي ينتخبهم في التشريع أو غيره من المهام التي يمارسها وفق نصوص الدستور.

وعلى هذا فمن انتخبهم لأجل ذلك فقد كفر لأنه أنابهم عن نفسه في ممارسة الكفر، وتواطأ معهم واجتمع على دين الديمقراطية الذي هو حكم وتشريع الشعب للشعب، وليس تشريع الله، وهذا هو قصد الفعل المكفر الذي يجب أن يشترط في تكفير المنتخِبين (بكسر الخاء) ، لا قصد الكفر أي الخروج من الملّة كما يشترط البعض.

أما قصد الانتخاب، هكذا دون تفصيل كما ذكره المصنف، فإنه غير دقيق بسبب التباس حال هذه البرلمانات على الناس جعل كثير من العامة والعجائز الذين يؤتى بهم ليُدْلوا بأصواتهم لأقربائهم أو غيرهم ممن يرفعون شعارات (الإسلام هو الحل) ونحوه، فإن منهم من لا يعرف حقيقة الإنتخاب ومعناه، ولا حقيقة هذه البرلمانات وواقعها ووظيفة نوابها وما يمارسونه فيها، فمنهم من يظنهم ويتعامل معهم وينتخبهم على أساس أنهم نواب خدمات يقدمونها لمناطقهم وعشائرهم ومنتخبيهم كبناء مستشفيات أو مطالبة بشق طرق أو رفع بعض المظالم وهكذا، أو يظن بأنه بانتخابه الشيخ الفلاني فإنه سيحكم بالإسلام ولا يعرف أن الشيخ صاحب الفضيلة! والعمامة الطويلة، سيقسم في أول مراحل عمله على احترام الكفر (الدستور) ، والولاء للكفار والطواغيت، وأنه لا يمارس أي سلطة وعمل من أعماله، إلا وفقًا لنصوص الدستور وقوانين الكفر، وأن أهم أعماله كلها التشريع الذي منه اشتق اسم (المشرّع) ، واسم مجلس التشريع.

فمن كان يعرف ذلك فهو كافر كما قال المصنّف (ص789) : (لأن انتخابهم هذا هو حقيقةً اتخاذ أرباب من دون الله، كما أنه في مضمونه إقرار بوظيفة البرلمانات التشريعية المطلقة، وهذا كله من الكفر الصراح) أهـ من الجامع.

فمن اختار وانتخب وأناب عن نفسه نائبًا وهو يعرف أن هذه هي حقيقة وظيفته فهو كافر وإن كان يجهل أن التشريع والطاعة فيه كفر وشرك، ما دام قد قصد العمل المكفّر نفسه، فإن الذين أطاعوا الأحبار والرهبان وتابعوهم على التشريع، لم يكونوا يعرفون أن هذه الطاعة والمتابعة عبادة، كما في حديث عدي بن حاتم الطائي ولم يكن ذلك مانعًا من كونهم قد أشركوا مع الله أربابًا.

أما ما عذرنا به العوام هنا، فهو عدم قصدهم واختيارهم للعمل المكفّر، بل كثير منهم كما هو معروف عند من خالط العوام والعجائز وخَبِرَهُمْ، لا يعرفون ماهية هذه المجالس ولا حقيقتها ولا يختارون من يختارونهم على أنهم مشرعون، ولا يعرفون حقيقة عملهم، بل يختارونهم للخدمات أو لتحكيم الشرع دون أن يعرفوا الكيفية، فهم هنا لم يقصدوا العمل المكفر بل قصدوا غيره.

وهذا هو الخطأ (انتفاء القصد) الذي ذكره الله تعالى في قوله (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الأحزاب: 5 فظاهر هؤلاء أنهم ارتكبوا عملًا مكفّرًا، ولكنهم لا يكفّرون إلا بعد إقامة الحجة بتعريفهم بحقيقة هذه البرلمانات وحقيقة نوابها.

والخلاصة:

أنا لم نعذر هؤلاء في جهلهم أن اختيار المشرعين وطاعتهم في التشريع كفر، ولا بما يُشقْشِقُ به البعض من أنه لا يكفر إلا من قصد الكفر والخروج من الملّة، بل لأنهم ما قصدوا العمل المكفّر نفسه، بل قصدوا شيئًا آخر، وذلك بسبب جهلهم بحقيقة هذه البرلمانات وواقعها، فكان حالهم كحال الأعجمي الذي ينطق بكلمة الكفر وهو لا يعرف مدلولها (انظر(قواعد الأحكام) للعز بن عبد السلام. (فصل فيمن أطلق لفظًا لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه) (2/ 102) ، و (أعلام الموقعين) لابن القيم (3/ 75) ، وقد فصلنا ذلك في التحذير من أخطاء التكفير في رسالتنا الثلاثينية).] النكت اللوامع ص (40 - 42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت