آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) الأعراف: 175 - 176، فالفتنة بأمثال هؤلاء المشهورين بالدين شديدة، والتلبيس منهم أشد، ومثاله أيضا ماروي مسلم في أول كتاب الإيمان من صحيحه عن يحيي بن يعمر قال: [كان أول من قال في القدر بالبصرة مَعْبَد الجهني، فانطلقت أنا وحُميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفّق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبدالرحمن إنه قد ظهر قِبَلَنا ناس يقرؤن القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قَدَر وأن الأمر أُنُف، قال ابن عمر: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم بُرَآء مني، والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر] ثم روي ابن عمر عن أبيه حديث جبريل، الحديث. قال النووي في شرحه [وذكر ابن يعمر من حال هؤلاء ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد في تحصيله والاعتناء به] ، ثم إن هؤلاء المشهورين بالعلم أتوا ببدعة مكفرة وهي أن الله لايعلم الأشياء قبل وقوعها وهو معنى (لا قدر) وإنما يعلمها بعد وقوعها وهو معنى (والأمر أنف) بضم الهمزة والنون أي مستأنف ومستقبل، وهذه بدعة غلاة القدرية وحاصلها نفي صفة العلم عن الله تعالى، قال النووي [هذا الذي قال ابن عمر رضي الله عنهما ظاهر في تكفيره القدرية، قال القاضي عياض رحمه الله: هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف] . والحاصل أن اشتهار الرجل بالعلم والديانة لايمنع من تكفيره إذا قام المقتضى لذلك.
(فصل) أما الذين يدعون المسلمين للمشاركة في هذه البرلمانات الشركية بالترشيح لعضويتها أو بانتخاب أعضائها، سواء دعوا إلى ذلك صراحة أو تحت مسميات أخرى كالعمل السياسي أو الدعوة إلى الله، يكفرون بذلك أيضا وإن لم يشاركوا في الترشيح أو الانتخاب، إذ لم يختلف العلماء في كفر الداعي إلى الكفر. وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) عند كلامه في الحيل المحرمة قال إن من أشار على امرأة بأن تكفر (ترتد) لتطلق من زوجها أنه كافر بذلك [1] . فإذا كان من يشير على امرأة واحدة بالكفر يكفر، فكيف بمن يشير على أمة محمد عليه الصلاة والسلام بالكفر والدخول في الديمقراطية التي لايختلف أحد في أنها دين الكفار ومنهجهم الذي ارتضوه؟.
وقال تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، وفي الجملة فإن الداعي إلى الكفر كالمشاركة في البرلمانات الشركية - وإن سمّاها بغير اسمها - حكمه أنه كافر، لايختلف العلماء في هذا.
هذا، وتنزيل أحكام التكفير - المذكورة هنا وفي سائر كتاباتي - تنزيلها على المعيّنين يكون وفق الضوابط التي ذكرتها في (قاعدة التكفير) في مبحث الاعتقاد.
(فصل) سلك بعض المعاصرين مسلك التأويل الباطني للنصوص الشرعية في دعوتهم المسلمين إلى المشاركة في الانتخابات الشركية، فعمدوا إلى نصوص وردت في الحضّ على الجهاد في سبيل الله تعالى فحملوها على الحضّ على المشاركة في انتخابات البرلمانات الشركية، ولا يختلف العلماء في أن الجهاد إذا أطلق فالمراد به بذل الوسع في قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، كما أن لفظ (في سبيل الله) إذا أطلق يراد به الجهاد كما في مصارف الزكاة. فكيف تحمل نصوص الجهاد على المشاركة في الانتخابات الشركية؟ اللهم إلا بالتأويل الباطني للنصوص.
(1) (اغاثة اللهفان) 1/ 393، و (اعلام الموقعين) 3/ 188 - 189