رضي الله عنهم، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحَرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم، وكذلك القَرَامطة والباطنية طَرَدَت الباب، وطَمَّت الوادي على القَرِيِّ، وتأولت الدين كله، فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يُرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟ وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أرِيقَتْ دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل؟.
وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تَزَل على الاستقامة والسَّداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد مالا يعلمه إلا رب العباد] [1] .
وهذا كله في بيان فساد التأويل الباطني للنصوص، وهو التأويل المخالف لما قال به السلف في النصوص، كهذا التأويل الذي قال به المؤلفان السابقان (جاسم مهلهل والصاوي) . وكان بعض الإباحيين قد استدل بقوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) المعارج: 29 - 30، استدلوا بها على جواز اللواط بالعبد المملوك باعتباره من ملك اليمين أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) قال ابن القيم [ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة] [2] ، قلت: وسبب كفره استباحة المحرم بتأويل غير سائغ فكأنه استباحه بغير دليل. وإذا كان هذا حكم من استباح اللواط - وهو كبيرة ليس كفرًا - بتأويل غير سائغ، فكيف بمن استباح شرك الديمقراطية وحضّ عليه بتأويل غير سائغ لنصوص الجهاد؟. وليس هذا تعريضًا مني بتكفير هؤلاء المؤلفين، فأمرهم إلى الله، ولكني أردت أن أبين فحش ماأقدموا عليه.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله [ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مرادة بالألفاظ، ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله عليه الصلاة والسلام لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع، كمن يضع في كل مسألة يراها حقًا حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم، لأنها مُبدِّلة للثقة بالألفاظ، وقاطعة طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق عن العلوم المحمودة إلى المذمومة، فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامى] [3] . قلت: كذلك فتأويل نصوص الجهاد للاستدلال بها على إباحة الانتخابات الشركية والحض عليها هو من الكذب على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، كما قال ابن القيم والغزالي في التأويلات الباطنية. ومن هذا الباب تأويل جماعة التبليغ الذين حملوا آيات الجهاد والنفير على خروجهم للدعوة وحصروا معناها في ذلك.
(فصل) ينبغي أن يكون معلومًا لكل مسلم أن الوسائل لها نفس أحكام المقاصد، فإذا كانت الديمقراطية كفرًا أكبر، فوسائلها لها نفس الحكم، ومن وسائلها تكوين الأحزاب ودخول البرلمانات والمشاركة في انتخاب أعضائها، فلا يحل لمسلم المشاركة في شيء من هذا ولايحل له أن ينتسب لحزب قائم بموجب الدساتير العلمانية.
وقد ذهب الأستاذ/ عبدالرحمن عبدالخالق إلى جواز إنشاء المسلمين للأحزاب في الدول الكافرة، وإن اقتضى هذا طلب
(1) (اعلام الموقعين) 4/ 249 - 250
(2) (إغاثة اللهفان) 2/ 154
(3) (إحياء علوم الدين) ج ص 50