إذن الكافر في ذلك، واعتبره من باب جواز دخول المسلم في جوار الكافر وحمايته، كما دخل النبي عليه الصلاة والسلام في جوار المطعم بن عدي [1] . وقال في نفس الكتاب مانصه [وللأسف أن الذين يفتون اليوم بعدم جواز الأحزاب السياسية الإسلامية يقدمون خدمة جليلة لأعداء الدين من حيث لا يدرون، لأنهم بذلك يجعلون الدعوة إلى الله محصورة في إطار وسائل ضعيفة، ويظهرونها دائما بمظهر الخارج على الشرعية والقانون] [2] . وأقول: إن كلامه هذا غير سديد من عدة أوجه: منها أن قياسه إنشاء هذه الأحزاب على الدخول في جوار الكافر قياس غير صحيح، فالجوار لايقتضي الإقرار بصحة ما عليه الكافر من الكفر، أما الأحزاب فإنه لا يسمح بإنشائها في الدول الكافرة إلا بشرط التزامها بالنظام الأساسي لهذه الدول بما فيه من الحكم بالقوانين الوضعية وتطبيق الديمقراطية الشركية والتحاكم للدساتير العلمانية، وإذا راجعت قانون الأحزاب في أي دولة من هذه الدول ستجد هذه الشروط مسطورة فيه، ومن التزم بهذا فقد أظهر الموافقة على دين الكفار بغير إكراه، وهذا كفرٌ لاشك فيه، فقياسه غير صحيح، وتسمية الأستاذ/ عبدالخالق هذه الأحزاب بأنها إسلامية غير صحيح، فإنها بالتزامها بالنظام الأساسي للدول الكافرة لم تعد هذه الأحزاب إسلامية ولاينفع مؤسسوها شيئًا أن يقولوا نحن أبناء الله وأحباؤه، أضف إلى هذا أن هذه الأحزاب هي في الحقيقة وسيلة من وسائل تطبيق الديمقراطية وجزء منها، ولها حكمها كما أسلفت، فالأحزاب ليست مجرد وسيلة للدعوة إلى الله، بل إنها في الأصل جزء من النظام الديمقراطي الشركي، هذا وجه. ومما أخطأ فيه الأستاذ/ عبدالرحمن عبدالخالق وصفه لوسائل الدعوة بغير هذه الأحزاب بأنها ضعيفة، وأقول: قد مضت الدعوة في القرون الخيرية وماتلاها من قرون بغير أحزاب ولم تكن ضعيفة كما زعم وإن قوة الدعوة وصدقها هو في تميزها عن الكافرين ومفاصلتها لهم، بهذا تجتذب الدعوة الصادقين والمخلصين لا الانتهازيين وطلاب المنافع العاجلة. وأما قول الأستاذ/ عبدالخالق بأن عدم إنشاء الأحزاب يظهر الدعوة (بمظهر الخارج على الشرعية والقانون) ، فهذا كلام لا يقوله مسلم، لأن الشرعية والقانون في الدول الكافرة التي يتحدث عنها هي طواغيت معبودة من دون الله لا شرعية لها، ولايصح إسلام المسلم حتى يكفر بها كما قال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) البقرة: 256، والكفر بهذه الطواغيت - الذي لايصح الإسلام بدونه - هو الخروج على الشرعية والقانون في الدول الكافرة، وهو مااستنكره الأستاذ/ عبدالخالق. فتأمّل.
(فصل) أماطريق المسلمين للتغيير فمعروف وليس هو طريق الديمقراطية الشركية وإنما هو طريق النبي عليه الصلاة والسلام والذي يبدأ بالدعوة: الدعوة العامة في المساجد وغيرها من أماكن الاجتماع، والدعوة الفردية في كل مكان ممكن، ليلًا ونهارًا، إعلانًا وإسرارًا، والبدء بالأقربين في كل هذا. مع الجهر بالحق وإخبار الواقعين في الكفر بأنهم كفار وأننا برءاؤا منهم ومن كفرهم، لهم دينهم ولنا ديننا، قال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) - إلى قوله - (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون: 1 - 6، وقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة:4، ومن هؤلاء الكافرين: الحاكمين بالقوانين الوضعية كالقضاة ومن في حكمهم، والمشاركين في تطبيق الديمقراطية كرجال الأحزاب السياسية وأعضائها وأعضاء البرلمانات والذين ينتخبونهم، ومن الكفار أيضا الجنود المدافعون بأنفسهم عن هذه الأنظمة الكافرة، والمدافعون عنها بألسنتهم وأقلامهم كل هؤلاء كفار، يجب أن يقال لهم ذلك لعلهم يفيئون أو بعضهم، وحتى تتميز الصفوف، وتستمر الدعوة بشتى الوسائل المشروعة حتى تتكون جماعة قوية من المسلمين
(1) انظر (المسلمون والعمل السياسي) له، ط الدار السلفية 1406 هـ، ص 32 - 33
(2) ص 36 - 37