أما الأحزاب، فليس في كتاب الله ذكر إلا لحزبين: حزب الله وهم أمة المسلمين، وحزب الشيطان وهم المنافقون والكافرون، قال تعالى (أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة: 22، وقال تعالى (أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) المجادلة: 19.
لقد كانت للمسلمين دول وممالك عظيمة علي مر القرون الخالية ماكان فيها تعدد حزبي ولا دعا أحد لذلك، إذ كيف يدعون إلى شيء لم يؤثر عن السلف خاصة في القرون الثلاثة الخيرية؟ فكيف يبتدعون ذلك وهم يعلمون أن كل بدعة ضلالة؟ وما كان الخير ليغيب عن السلف الصالح ثم يدركه المتأخرون. وسوف أذكر في مسألة أحكام الحجاب في هذا المبحث إن شاء الله تعالى أهمية النظر في عمل السلف وأثره في فهم أدلة الشريعة ومقاصدها، وفيه كلام جيد منقول عن الشاطبي رحمه الله.
إن القول بجواز تعدد الأحزاب في الدولة الإسلامية، هو فتحٌُ لباب تفريق الأمة، لينشغل المسلمون بعضهم ببعض، ولتجد السياسات الحزبية الجاهلية طريقها إلى دار الإسلام، فتشتعل الدسائس، وتثور العصبيات الجاهلية والعداوات بين المسلمين، وتخرب ذمم المسلمين وتشترى أصواتهم وشهاداتهم، ولتجد الدول الكافرة طريقها إلى دار الإسلام بأموالها ودعايتها لترجيح كفة حزب على آخر ليكون مواليا لها في الباطن، والكفار لايألوننا خبالا كما قال عزوجل. فإذا لم يكن في التعدد الحزبي إلا هذه المفاسد فإنها كافية للقطع بتحريمه سدًا لذريعة هذه المفاسد، فكيف وهذا التعدد بدعة ليست من دين الإسلام ولا من عمل المسلمين، وكل بدعة ضلالة؟، بل كيف وهو متابعة لسنن الكافرين؟ بل كيف وهو اتباع للسنة الفرعونية؟، ظلمات بعضها فوق بعض. ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، نعوذ بالله من الخذلان، ونعوذ به من الحَوْر بعد الكَوْر.
4 -بدعة القول بإلزام الشورى في دولة الإسلام.
وهذا أيضا من الأخطاء التي يرددها بعض المعاصرين المتكلمين في السياسة الشرعية من اتباع المنهج الانهزامي التلفيقي، محاولين التوفيق بين أحكام الإسلام ومبادئ الديمقراطية الشركية التي تقضي بأن رأي الأغلبية في البرلمان مُلزم، فقالوا بأن الشورى ملزمة للحاكم المسلم في الدولة الإسلامية، وهو قول ساقط نبهت على فساده بشئ من التفصيل في كتابي (العمدة في إعداد العدة) ، وخلاصة ماذكرت فيه: أن القائلين بإلزام الشورى ليس لهم دليل صحيح من كتاب ٍ أو سنة ٍ يستندون إليه، إلا قولهم بأنه مافائدة الشورى إذا لم تكن ملزمة؟، وأنها إذا لم تكن ملزمة فوجودها كعدمها.
وقد ذكرت في كتابي (العمدة) أن الكلام في أحكام الشورى من وجهين: وجوبها وإلزامها. وأن الصواب أنها ليست واجبة على الإمام وإنما هي من السنن المستحبة وأنها غير ملزمة له.
أما القول بالزام رأي الأغلبية فهو من توابع النظام الديمقراطي كالقول بجواز تعدد الأحزاب، كلاهما من سنن الكافرين التي لم يجرِ عليها العمل في سلف الأمة.
والفرق في مسألة الشورى عند المسلمين وعند الكافرين من وجوه:
• منها: أن المسلمين لايتشاورون إلا في المباح ومواضع الاجتهاد أما الواجبات والمحرمات فلا مشورة فيها إلا عند خفاء النص الشرعي لاستخراجه، أما الكفار فيتشاورون في كل شيء فلا واجب عندهم ولامحرم إلا ماأوجبوه أو حرموه بأنفسهم.