• ومنها أن الإسلام يشترط العلم المؤدي للاجتهاد في إمام المسلمين مع العدالة، ليكون فيما يراه ويجتهد فيه مقيدًا بضوابط الشريعة، وأوجب على المسلمين أن يسمعوا له ويطيعوه فيما اجتهد فيه وليس العكس. أما الكافرين فقد يكون زعيمهم عربيدًا فاجرًا لا علم له ولا هدى فكانت مصلحتهم في اتباع ما يراه الأكثرون لأنه الشيء الذي يحقق مصالح الأكثرون منهم سواء كان حلالًا أو حرامًا فلا همّ لهم إلا مصالحهم العاجلة.
• ومع أن نصوص الكتاب والسنة أوجبت طاعة ولاة الأمور حتى صار من أهم مقتضيات الإمارة الشرعية أن يترك كل فرد رأيه واجتهاده وينزل على رأي الأمير واجتهاده من أجل توحيد كلمة الأمة، ألا أن الشريعة قيدت ذلك بأمور: وهي ألا يُطاع في معصية، وألحق بعض العلماء بذلك ماإذا أمر الأمير بأمر واتفق رأي جميع اتباعه على أنه مفسدة ومضرة خالصة وإن لم يكن من المعاصي الظاهرة، قال هذا محمد بن الحسن الشيباني 189 هـ في كتابه (السير الكبير) ج 1 وقال إنه بذلك يستخف عقولهم وأن طاعتهم له في مثل هذا فسق، واستدل لذلك بقوله تعالى (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) الزخرف: 54. وأقول: إنه إذا ثبتت مفسدة الشيء ومضرته فهو حرام وإن لم يكن من المعاصي الظاهرة، لأن الفساد من علل التحريم ولأن الضرر منهي عنه، قال تعالى (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) الأعراف: 157، وقال عليه الصلاة والسلام (لاضرر ولا ضرار) .
والخلاصة: أن الشورى - في الإسلام - ليست ملزمة لولاة الأمور، ويجب على الرعية طاعة ولاة الأمور بالقيود السابقة. وقد نقل شارح العقيدة الطحاوية الإجماع على ذلك، فقال ابن أبي العز رحمه الله [وقد دلّت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يُطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع اتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية، ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض] [1] .
وحاصل القول بإلزام الشورى للإمام هو القول بجواز نصب إمامين للمسلمين في دار الإسلام، وهذا من المحرمات، بل أوجب رسول الله عليه الصلاة والسلام قتل الخليفة الآخر إذا لم يندفع شره إلا بذلك، قال عليه الصلاة والسلام (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) [2] . وذلك لأن الإلزام الموجب للسمع والطاعة في دار الإسلام إنما هو لإمام المسلمين، فإذا تعددت مصادر الإلزام فحكمها حكم تعدد الأئمة، وهذا أمر واضح البطلان، وفساده يغني عن إفساده.
وأراد أحد المعاصرين أن يجعل الشورى ملزمة بحيلة فاسدة، فزعم أن الشورى وإن كانت غير ملزمة للحاكم بالشرع إلا أنها يمكن أن تكون ملزمة له بالعقد، وذلك إذا اشترط عليه أهل الشورى ذلك عند مبايعته، وأراد أن يدفع بذلك تهمة الاستبداد السياسي التي يلصقها العلمانيون بالإسلام [3] . ووجه الفساد في هذه الحيلة مخالفة الشرط الذي قال به لنصوص الكتاب والسنة المتواترة التي أوجبت طاعة الإمام في مواضع الاجتهاد، فأراد أن يسقط هذا الواجب الشرعي بالشرط الذي قال، وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (فما بال رجال منكم يشترطون شروطا ليست في كتاب
(1) (شرح العقيدة الطحاوية) ط المكتب الإسلامي 1403 هـ، ص 424
(2) رواه مسلم
(3) ذهب إلى هذا د. محمد صلاح الصاوي - صاحب التأويل الباطني المشار إليه آنفا - في كتابه السابق (قضية تطبيق الشريعة) ص 102