الله؟ فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق) [1] . فاشتراط الزام الشورى يُخل بمقصود عقد بيعة الإمام الذي يوجب على الرعية السمع والطاعة والنزول على اجتهاده في مواضع الاجتهاد. وكل شرط يُخل بمقصود العقد فهو باطل، لايختلف العلماء في ذلك، فإذا أُبْرِمَ مثل هذا الشرط الفاسد فالعقد - عقد البيعة - صحيح والشرط مهدر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمضى البيع وأبطل الشرط في حديث بريرة السابق. ويَرِدُ في إبطال هذا الشرط أيضا قوله عليه الصلاة والسلام (من أحدث في أمرنا هذا ماليس فيه فهو رَدّ) [2] .
وحاصل القول بإلزام الشورى هو التعاقد على نصب إمامين للمسلمين في بلدٍ واحد، وهو أمر ظاهر البطلان كما أسلفت القول.
فهذا القول الذي ذهب إليه هذا المؤلف - الصاوي - هو من الحِيَل المحرَّمة، وهي الحيل التي يتوصل بها إلى إسقاط واجب - كما هو الحال هنا - أو تحليل محرم [3] . ووصف ابن القيم الحيل المحرمة بقوله [ثم إن هذا النوع من الحِيَل يتضمن نسبته الشارع إلى العبث وشرع مالا فائدة فيه - إلى قوله - وإنما غرضه التوصل بها إلى ماهو ممنوع منه، فجعلها سُترة وجُنّة يستتر بها من ارتكاب مانُهي عنه صِرْفًا، فأخرجه في قالب الشرع] [4] . فلا ينبغي فتح باب الحيل المحرمة للمسلمين، قال ابن حجر رحمه الله [وقد نقل النسفي الحنفي في «الكافي» عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق] [5] . كما لايجوز الإفتاء بمثل هذه الحيل المحرمة، فقد قال ابن القيم رحمه الله [والمقصود أنه لايحل له أن يفتي بالحيل المحرمة، ولا يعين عليها، ولايدل عليها، فيضاد الله في أمره، قال الله تعالى: (ومَكرُوا ومَكَرَ الله، والله خير الماكرين) وقال تعالى (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) النمل: 50 - 51 وقال تعالى (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) البقرة: 9 - إلى أن قال - وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهودَ، حرمت عليهم الشحوم فَجَمَلُوها وباعوها وأكلوا أثمانها» ، وقال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، وقال ابن عباس: مَنْ يخادع الله يخدعه، وقال بعض السلف: ثلاث مَنْ كنَّ فيه كن عليه المكر والبغي والنكْث. وقال تعالى (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) فاطر: 43، وقال تعالى (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم) يونس: 23 وقال تعالى (فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) الفتح: 10 وقال الإمام أحمد: هذه الحِيَلُ التي وَضعها هؤلاء، عمدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتَوْا إلى الذي قيل لهم إنه حرام فاحتالوا فيه حتى حللوه. وقال: ماأخبثهم! - يعني أصحاب الحيل - يحتالون لنَقْض سنن رسول الله عليه الصلاة والسلام] [6] .
وهذا كله في ذم الحيل المحرمة والتحذير من الافتاء بها أو متابعتها.
5 -ومن أخطاء المعاصرين في السياسة الشرعية: القول بجواز تولية الذمي مناصب حكومية كوزارة التنفيذ في دار الإسلام.
(1) الحديث متفق عليه -- واللفظ للبخاري (حديث 2563)
(2) متفق عليه
(3) انظر (إغاثة اللهفان) لابن القيم، ج 1 ص 374
(4) (إغاثة اللهفان) 2/ 86
(5) (فتح الباري) 12/ 329
(6) (اعلام الموقعين) 4/ 230 - 231