فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 1285

فأقول: إن هذا القول هو أيضا منبثق عن المنهج التلفيقي تزلفا لليهود والنصارى وإرضاء لهم، ونفيًا لتهمة التعصب عن الإسلام، واحتج القائلون بذلك بقولٍ للماوردي بجواز ذلك، وقد ذكرت في أكثر من موضع في كتابي هذا أن أقوال العلماء ليست من الحجج الشرعية وأن أقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها، فلا حجة في قول الماوردي مالم تشهد له أدلة الشرع من الكتاب والسنة والإجماع، فكيف وهذه الأدلة ترده؟ وقد تكلمت في هذه المسألة في كتابي (العمدة) وليس هذا موضع بسط الرد عليه، ويكفي لرد هذا القول وإبطاله قول الله تعالى - ناهيا عن ذلك - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) آل عمران: 118. وقول رسول الله عليه الصلاة والسلام (إنا لانستعين بمشرك) [1] .

وقد ذكر أبو يعلى الحنبلي في كتابه (الأحكام السلطانية) قول الماوردي هذا وردّه ونقل قول أحمد: إنه لايُستعان بهم في شيء، وحمل الجويني حملة شديدة على الماوردي بسبب قوله هذا في كتابه (الغياثي) وبيّن فساده بالأدلة، إلا أنه لم يبسط أحد القول في هذه المسألة مثل ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة) حيث بين بالأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف تحريم تولية أهل الذمة شيئا من ولايات المسلمين وأعمالهم وبيّن خطر ذلك، وذلك في فصلين من كتابه هذا (فصل في المنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم) ، والفصل بعده (فصل في سياق الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم وخيانتهم وتمنيهم السوء لهم، ومعاداة الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أو ولاّهم أمور المسلمين) [2] .

6 -ومن الأقوال الفاسدة للمعاصرين: القول بأن الأصل في علاقة دار الإسلام مع بلاد الكفار السِّلم، وأن الجهاد في الإسلام لايشرع إلا للدفاع، وهذا القول فيه انكار للمعلوم من الدين بالضرورة، ورددت عليه في كتابي (العمدة) ، وهذا القول الفاسد منبثق أيضا من المنهج الانهزامي التلفيقي الذي أسسه رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، وأراد أصحاب هذا القول بيان أن الإسلام يتفق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة - وهي شرائع طاغوتية - في تحريم الحرب الهجومية وتحريم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة. فهل الإسلام يحرّم هذا؟ هل الإسلام حرم جهاد الطلب الذي يسمونه بالحرب الهجومية والله تعالى يقول (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) التوبة: 5، ويقول عزوجل (وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ) النساء: 104؟ وهل الإسلام يحرم الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة والله يقول (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا) الأحزاب: 27؟ وكيف صارت أرض العراق والشام ومصر بل أرض خراسان والأندلس من أملاك الدولة الإسلامية ذات يوم؟. إن القائل بهذا القول الفاسد منكر للمعلوم من الدين بالضرورة. ألا ترى أن الأمم المتحدة هي التي منحت إسرائيل أرض فلسطين بقرار التقسيم في 1947م، ثم بقرار الهدنة في 1948م مكنت لإسرائيل من التهام المزيد من الأرض وكانت لاتملك من صحراء النقب شيئا بقرار التقسيم؟ ثم التهمت إسرائيل المزيد من أرض فلسطين بالقوة في حرب عام 1967 م تحت سمع العالم وبصره. إن القوانين الدولية لاتطبق إلا على الضعفاء، أما الأقوياء فلهم قوانين أخرى وهي قوانين فرض الأمر الواقع بالقوة كما فعل اليهود بفلسطين وكما فعل النصارى الصرب بالبوسنة، ولايجدي مع هؤلاء الكفرة الأنجاس إلا القوة، وقد أخبرنا الله بذلك بأوجز بيان وأوضح عبارة فقال جل شأنه (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) الأنفال: 60.

وبعد:

(1) رواه مسلم

(2) (أحكام أهل الذمة) 1/ 208 - 244، ط دار العلم للملايين 1983م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت