فهرس الكتاب

الصفحة 1023 من 1285

عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة:251.

وقد تعرض رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى ماشاء الله من أذى المشركين وحصارهم وشبهاتهم وحربهم حتى أذن الله بظهور الدين والتمكين للمؤمنين في الأرض، ومَلَك المسلمون مشارق الأرض ومغاربها بعد إزالتهم سلطان فارس والروم. ثم بدأ الضعف يدبّ في جسد الأمة الإسلامية والوَهَن يتطرق إلى قلوب أبنائها، فتكالب عليهم الأعداء من كل حدب وصوب، وقد كان من أعتى ذلك: هجمات الصليبيين على بلاد الشام ومصر بدءً من القرن السادس الهجري، ثم الغزو المغولي للمشرق الإسلامي واستيلائهم على بلاد المسلمين حتى الشام في القرن السابع الهجري، ثم انتزاع الصليبيين أرض الأندلس من المسلمين في القرن العاشر الهجري، ولم يتوقف الصراع بين الكافرين والمؤمنين في وقت ٍ من الأوقات، حتى أنني أحصيتُ الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية التي عمَّرت ستمائة سنة (1300م - 1900م) فكانت ستين حربًا، أي بمعدل حرب واحدة كل عشر سنين. وقد ظل المسلمون قادرين ردحًا من الزمان على صد غزوات الكفار وتلافي آثارها على الأمة حتى بدأت مقاومتهم تضعف منذ قرنين من الزمان حين تمكن الكفار الأوربيون والروس من الاستيلاء على معظم بلاد المسلمين بالغزو المسلح، وهنا شرعوا في إفساد هذه البلاد وأهلها بوسائل شتى، تهدف كلها إلى سلخ المسلمين عن دينهم والقضاء على أرادة المقاومة وعلى مصادر القوة لديهم، كما قال تعالى (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة: 217. وقد تركزت جهود الكفار - لأجل إفساد المسلمين بعد استيلائهم على بلادهم - في ثلاثة محاور، وهي القضاء على مصادر قوة المسلمين، والسيطرة على التشريع والسيطرة على الحكم ببلاد المسلمين، وهذا بيانها بإيجاز:

• المحور الأول: القضاء على مصادر قوة المسلمين:

وهناك ثلاثة مصادر أساسية للقوة وهي البشر والثروة والوحدة، وقد سعى الكفار في تخريب هذه الركائز بإفساد المسلمين واستنزاف ثرواتهم وتفتيت وحدتهم، حتى لايتمكن المسلمون من مقاومة الكفار وحتى لاتقوم للمسلمين قائمة.

1 -أما إفساد المسلمين في دينهم وأخلاقهم فقد سعى فيه الكفار بشتى السُّبل، منها الطعن في الإسلام والتشكيك في أصوله، والسعي في تحريف أحكامه القطعية خاصة مايتعلق منها بالحكم والإمامة والجهاد والولاء والبراء والحجاب، ومحاولة حصار الدين وتقليص نفوذه ليبقى محصورًا في العلاقة بين العبد وربه ولاشأن له بما وراء ذلك من شئون السياسة والحكم والاقتصاد والاجتماع. وقد قام المستشرقون من الكفار بوضع أسس الطعن في الإسلام وتحريفه وحذا تلاميذهم من أبناء المسلمين حذوهم في ذلك. ومن سُبُل إفساد الكفار للمسلمين: نشر الفجور والإباحية والخمر والمخدرات والزنا بين المسلمين، والحضّ على تبرج النساء وسفورهن ومخالطتهن للرجال كل ذلك باسم الحرية والتمدن، وغرس قيم حب الدنيا والتكاثر منها والتكالب عليها في نفوس المسلمين. وقد ساهم التعليم العلماني الذي وضعه الكفار في تنفيذ مخططاتهم الإفسادية، كما ساعدهم على ذلك وسائل الإعلام الحديثة كالصحف والمجلات والسينما والمسرح والإذاعة بما سَهَّل لهم الإفساد الجماعي للمسلمين. ومقصدهم من ذلك إضعاف الوازع الديني لدى المسلمين وجعلهم أناسا يلهثون وراء الشهوات بشتى صنوفها. وهذا بهدف القضاء على إرادة مقاومة الكفار لدى المسلمين.

2 -استنزاف الثروة: أى ثروات بلاد المسلمين، من الأموال والمواد الأولية الزراعية والصناعية، وذلك باحتكار هذه المواد لقاء أثمان زهيدة، وفتح بلاد المسلمين أمام صادرات الكفار، وتوريط بلاد المسلمين في الديون الربوية لتظل ثرواتها مستنزفة في تسديد الديون وفوائدها، وتوريط بلاد المسلمين في الحروب الإقليمية لتظل سوقًا مفتوحة لتصدير الأسلحة إليها وغير ذلك من صور استنزاف الثروات.

3 -تفتيت وحدة المسلمين: خاصة مع ضعف الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، فقام الكفار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت