المنتشرة في مقالات الكتَّاب في الصحف والكتب حتى تغلغلت إلى مناهج التعليم لينشأ أبناء المسلمين على غير صلة بدينهم وهذه كلها جرائم تدخل في مسمى الردة والزندقة، وتقع بحماية من القانون الوضعي الذي لايُجَرِّم الردة، وهذه الجرائم تؤدي إلى إشاعة الاستخفاف بالدين في نفوس المسلمين وقلة الاكتراث به، وهذا هو واقع كثير من المنتسبين إلى الإسلام بهذه البلاد وبهذا تعلم معنى أن قوانين الكفر تصبغ المجتمعات التي تحكمها بصبغة الكفر والإلحاد والإباحية، فإذا أضفت إلى ذلك إباحة هذه القوانين للخمر والزنا والربا وغيرها صارت الصورة أكثر وضوحًا.
وهناك جانب مهم لم يذكره الشيخ أحمد شاكر في كلامه السابق، وهو أن إسقاط العمل بالحدود والعقوبات الشرعية يؤدي إلى ظلم ٍ مركب لأطراف متعددة:
1 -منها الظلم الواقع على المجتمع: بإشاعة الجرائم وانعدام الأمن والطمأنينة بين الناس كنتيجة لكون العقوبات الوضعية غير رادعة للمجرمين، وكنتيجة لأن هناك جرائم لايعاقب عليها القانون الوضعي من الأصل.
2 -ومنها الظلم الواقع على الجاني نفسه: فإن الحدود الشرعية مع مافيها من زجرٍ ونَكَال، فهي في نفس الوقت كفّارة للذنب - إلا الردّة - لقوله عليه الصلاة والسلام (فمن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له) [1] . فمن زنا أو سرق أو شرب الخمر فأقيم عليه الحد غَفَر الله ذنبه، وهذا غير وارد في العقوبات الوضعية فيلقي الجاني ربه بذنبه ليُحاسب عليه يوم القيامة.
3 -ومن الظلم الواقع على الجاني أيضا: ما يتعلمه من فنون الإجرام والرذيلة في السجون، والسجن هو العقوبة الأساسية في القوانين الوضعية القائمة على تقديس الحريات الشخصية - ولو كانت حرية الكفر والفجور - ولهذا فإن أساس العقوبات في هذه القوانين هو تقييد الحرية وذلك بالسجن، وقد يزل إنسان فيشرب الخمر، وهذا حدّه الشرعي ثمانون جلدة، ولكنه يُعاقب في القانون الوضعي - إذا شربها في مكان عام غير مرخص فيه بذلك - بالسجن ستة أشهر ليختلط بعتاة المجرمين في السجن فيخرج منه وقد تعلم فنون الإجرام التي كان غافلا عنها.
4 -ومنها الظلم الواقع على أسرة الجاني: بحرمانها من مصدر رزقها بغياب عائلها في السجن، ومايتبع هذه الغيبة من آثار اجتماعية سيئة على الزوجة والأبناء.
فهذه بعض مظاهر الظلم المترتبة على تحكيم القوانين الوضعية وهذا مما يبين لك معنى الظلم الوارد في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة: 45.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله [لقد جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة، منهج حياة واقعية. جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية وتنظيمها وتوجيهها، وصيانتها. ولم يجئ دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير، ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدي في الهيكل والمحراب. فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لايكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها، ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليًا في حياة الناس، ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان، ويؤاخذ الناس على مخالفتها، ويؤخذون بالعقوبات.
والحياة البشرية لاتستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد، يملك السلطان على الضمائر والسرائر، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك. ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا كما يجزيهم وفق حسابه في
(1) الحديث متفق عليه عن عبادة بن الصامت -- ورواه أحمد بإسناد حسن عن خزيمة بن ثابت مرفوعا (ومن أصاب ذنبًا فأقيم عليه حدُّ ذلك الذنب فهو كفارته)