فهرس الكتاب

الصفحة 1100 من 1285

وبلدهما واحد، ديةُ بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا ضيمًا منكم لنا، وفرقًا منكم، فأما إذْ قدم محمد فلا نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله عليه الصلاة والسلام بينهم، ثم ذَكَرتِ العزيزةُ فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعفَ ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ماأعطونا هذا إلا ضيمًا منّا وقهرًا لهم، فدُسُّوا إلى محمد من يَخْبُرُ لكم رأيَه، إن أعطاكم ماتريدون حكَّمتموه، وإن لم يعطكم حَذِرْتُم فلم تحكِّموه، فدَسُّوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ناسًا من المنافقين ليِخْبُرُوا لهم رأيَ رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما جاؤا رسول الله عليه الصلاة والسلام أخبر الله رسوله عليه الصلاة والسلام بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) إلى قوله (الْفَاسِقُونَ) ففيهم - والله - أنزل، وإياهم عني الله عز وجل». ورواه أبو داود بنحوه. وروي ابن جرير عن ابن عباس: «أن الآيات في المائدة، قوله (فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) إلى (الْمُقْسِطِينَ) - إنما أنزلت في الدية في بني النَّضير وبني قُريظة، وذلك: أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، وتُودَي الدية كاملةً، وأن قريظة كانوا يُودَوْن نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله عليه الصلاة والسلام على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء» والله أعلم أيُّ ذلك كان. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه.]

إلى أن قال [وقد رُوي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآية في ذلك كله، والله أعلم] [1] .

فهذان السببان رويا في نزول هذه الآيات، ولكن الصحيح منهما هو الأول كما قال ابن كثير [والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا] . والذي يرجّح أن سبب النزول هو الأول ثلاثة أمور، هي:

-أن رواة حديث الرجم أربعة من الصحابة - فيما ذكره ابن كثير في تفسيره - وهم: ابن عمر، وأبو هريرة وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب، بخلاف حديث الدية فقد رواه ابن عباس فقط، رضي الله عنهم.

-أن رواة حديث الرجم كانوا بالمدينة وقت وجود اليهود بها - باستثناء أبي هريرة - فعاصروا الواقعة، بخلاف ابن عباس فقد ظل بمكة حتى فتحها عام 8 هـ، ووقتها لم يكن يهود بالمدينة، فروايته حكاية عن بعض الصحابة - مرسل صحابي - لامشاهدة.

-أن قول ابن عمر في حديث الرجم (فكنت فيمن رجمهما) نص في محل النزاع، كما قال السيوطي - في الترجيح بين أسباب النزول المتعددة للنص الواحد - [أن يستوي الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة)[2] .

وعلى القول بتعدد سبب النزول، فإن السببين المذكورين في هذه الآيات اتفقا في أن اليهود بدّلوا حكم الله الذي شرعه لهم، سواء بدّلوا حكم الزاني المحصن أو بدّلوا وجوب المساواة في الدية، ولهذا فإن الخلاف في سبب النزول لايضر ولايؤثر في الحكم، إذ إن مناط الحكم في السببين هو تعطيل حكم الله واختراع حكم بديل والحكم به. ولكن الصحيح هو نزولها في تبديل حكم الزاني المحصن.

هذا مايتعلق بسبب نزول الآيات، ثم نعرّج على الخلاف الوارد في تفسيرها.

(1) انتهى كلام ان كثير من (عمدة التفسير) 4/ 148 - 155. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الدية قال أحمد شاكر: رواه أحمد بإسناد صحيح في المسند (2212)

(2) (الاتقان) 1/ 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت