فهرس الكتاب
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)» فهذه الآيات الكريمة متناولة لكل من لم يحكم بما أنزل الله، فإنك لاتدّعي أنك حكمت بما أنزل الله] [1] . فإذا كان هذا هو قول الشوكاني للقاضي الشرعي المقلد، واستدل عليه بعموم هذه الآيات، فكيف يكون قوله للقضاة بالقوانين الوضعية الذين يجزمون بأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله؟.
7 -وبمثل قول الشوكاني قال صديق حسن خان [في قوله تعالى (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ): والآية عامّة فيمن بدّل حكم الله وغيره] [2] .
وبعد، فقد كانت هذه أقوال بعض أهل العلم في المسألة بمثل ماقلته فيها، وهو أن كل من تعمد ترك حكم الله والحكم بغيره فهو كافر سواء كان قاضيا شرعيا أو غير شرعي، ولايستثنى من هذا الحكم إلا المجتهد المخطئ للحديث الوارد في حقه [3] .
يبقى بعد هذا تنبيهان متعلقان بتفسير هذه الآية: أحدهما متعلق ببيان معنى الحكم فيها، والآخر في التنبيه على أخطاء شائعة متعلقة بمناط الحكم الوارد في الآية.
(التنبيه الأول) في المراد بالحكم في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) الآية.
قال الفخر الرازي في تفسيره [أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية، وقالوا: إنها نصٌ في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافرًا] [4] . فأخذ أهل العلم في الرد على احتجاج الخوارج بهذه الآية بردود ذكرتها وأبطلت معظمها فيما مضى من القول. ومن ذلك القول بأنها في أهل الكتاب، والقول بأن الكفر فيها هو كفر دون كفر، والقول بأن المراد بالكفر: فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار، والقول بأن المراد من لم يحكم بجميع ما أنزل الله هذا مع أن النص وارد في ترك الحكم في قضية واحدة، ومنها القول بأن الحكم بالكفر فيها إنما يقع على الجاحد والمستحل. وكل هذه الأقوال باطلة مردودة. وبيّنت بطلانها فيما مضى، فالخوارج غلوا في الاحتجاج بالآية، وأصحاب هذه الردود جفوا فأفرغوا الآية من مضمونها وعدلوا عن ظاهرهًا، والحق وسطٌ بين هذين الطرفين.
أما الرد على احتجاج الخوارج المذكور بهذه الآية فينبغي أن يكون من وجهين وهما:
الوجه الأول: أن نص الآية وإن كان من صيغ العموم، إلا أنها خاصة بالحكام المَعْنيين بالحكم بين الناس وفصل الخصومات (كالسلطان والقاضي وغيرهما) ، فالآية عامة في موضوعها أو هي عامة في موضوع خاص وهو الحكم وفصل الخصومات. وحيث ورد لفظ (الحكم) - كواجب على الناس - في الكتاب والسنة، فإنه لا يُراد به إلا فصل الخصومات ولا يراد به جميع أعمال الإنسان، فإن الله تعالى قال (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) ولم يقل (ومن لم يعمل بما أنزل الله) . وقال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) مريم: 64. فتعميم لفظ (الحكم) على جميع أعمال الإنسان ليصبح كل من أذنب حاكما بغير ما أنزل الله هو من تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا من صفات الخوارج كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما تواتر عنه في وصفهم أنهم (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم) ، أي يرددونه قراءة بحناجرهم ولا يجاوزها إلى القلوب التي هي موضع الفهم، والمراد وصفهم بأنهم لا يفهمون معنى ما يقرأون من القرآن.
(1) (القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد) للشوكاني ص 46 - 47، ضمن (الرسائل المفيدة) له، ط دار الكتب العلمية
(2) (الإذاعة لما كان ومايكون بين يدي الساعة) لصديق حسن، ص 111، ط المدني
(3) (حديث عمرو بن العاص)
(4) (تفسير الرازي) 12/ 5