فهرس الكتاب

الصفحة 1123 من 1285

وقد تقدم في المقدمة الثالثة عشرة أنه يجب حمل معنى اللفظ على معهود استعمال الشارع (أي عرف الشارع في كلامه) ، وفيها ذكرت قول ابن القيم [اللفظ الذي اطّرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه، ولم يُعهد استعماله في المعنى المؤول أو عُهِدَ استعماله فيه نادرًا، فحملُه على خلاف المعهود من استعماله باطل، فإنه يكون تلبيسًا يناقض البيان والهداية، بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حَفّوا به من القرائن ما يبيّن للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف، ومن تأمل كمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبيّن له صحة ذلك] [1] . فإذا طبقت هذه القاعدة على لفظ (الحكم) الواجب على الناس، وجدته لم يأت إلا بمعنى فصل الخصومات والحكم في أقضية الناس، فكيف إذا جاءت القرائن مؤكدة لهذا المعنى:

ومن ذلك قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 جاءت في الحكم بين الناس ويؤكد ذلك قوله تعالى قبلها (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) المائدة: 42، وأنها نزلت في حكم الرسول عليه الصلاة والسلام في قضية اليهوديين اللذين زنيا.

و قوله تعالى (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) ص: 22 - إلى قوله - (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) ص: 26، وهذا نص صريح في أن الحكم إنما يكون بين الخصوم، وأن الملوك (والرؤساء) مخاطبون به كالقضاة، لأن داود عليه السلام كان ملكًا كما قال تعالى (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) البقرة: 251.

وعلى هذا المعنى دار لفظ (الحكم) في الكتاب والسنة، كما قال تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) النساء: 58، وقال تعالى (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) المائدة: 48، وقال تعالى (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ) النساء: 105، وقال تعالى (يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) النساء: 65.

والحاصل أن قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، وإن كان نصًّا عامًا، إلا أنه خاص بالحكم بين الناس في أقضيتهم وخصوماتهم، لا يشمل سائر أعمال الإنسان في خاصة نفسه كما ذهب إليه الخوارج، وهذا هو الوجه الأول في الردّ عليهم.

أما الوجه الثاني: فهو أنه لو افترضنا صحة رأي الخوارج من أن الآية عامة في كل من لم يعمل بما أنزل الله وأنه كافر، فإنه لا خلاف بين المسلمين في أن العام يدخله التخصيص، وقد دلّت النصوص الخاصة في حق بعض العصاة كالزاني والسارق وشارب الخمر على أنهم لا يكفرون بذلك ولا يُعاقبون عقاب المرتدين، وهذه نصوص خاصة تقدم على العام بالإجماع، فبطل بذلك استدلال الخوارج بالآية على العموم من الوجه الذي قالوا به.

هذا ما يتعلق بالرد على احتجاج الخوارج بالآية، وفيه غُنْية عن التأويلات التي رد بها بعض أهل العلم عليهم بما يصرف الآية عن ظاهرها ويفرغها من مضمونها.

(التنبيه الثاني) في التنبيه على أخطاء شائعة متعلقة بمناط الحكم الوارد في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44.

وأذكر فيما يلي الأقوال المتضمنة لهذه الأخطاء ثم أبيّن وجه الخطأ فيها:

1 -قال ابن القيم رحمه الله - في كلامه عن هذه الآية -[والصحيح أن الحكم بغير ماأنزل الله يتناول الكفرين:

(1) (مختصر الصواعق المرسلة) ص 16، ط دار الكتب العلمية 1405هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت