فهرس الكتاب

الصفحة 1124 من 1285

الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم. فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعَدَل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخيّر فيه مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين] [1] .

أما قوله [إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا] أن هذا كفر أصغر، فهذا قولٌ مصادم لنص الآية فهو خطأ، لأن الذين أنزلت فيهم الآية أقروا بأن حكم الله في الواقعة هو الرجم فقالوا - فيما رواه البخاري عن ابن عمر - (صَدَق يا محمد، فيها آية الرجم) ، وعدلوا عن حكم الله عصيانا كما قال تعالى (وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ) المائدة: 43 وفيها قال الطبري [وهم مع علمهم بذلك يتولون، يقول: يتركون الحكم به بعد العلم بحكمي فيه جراءةً علي وعصيانا لي] [2] ، فالذين أقروا بحكم الله وعدلوا عنه عصيانا أكفرهم الله كفرًا أكبر بخلاف ما قال ابن القيم، فالصورة التي ذكرها ابن القيم - والتي سيقلده فيها كثير ممن يأتي ذكرهم - هي صورة سبب النزول وهي قطعية الدخول في حكم النص.

وأما قوله [وإن اعتقد أنه غير واجب ... فهذا كفر أكبر] ، وهذا معناه تعليق الكفر على الجحد، لأن اعتقاد عدم الوجوب أي إنكار الوجوب هو الجحد، وبذلك وقع ابن القيم فيما أنكره قبل كلامه هذا بسطور حيث قال [ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كُفْر، سواء حَكَم أو لم يحكم] [3] . وإنما كان اشتراط الجحد للحكم بالكفر الأكبر على من لم يحكم بما أنزل الله تأويلا موجوحا للسببين المذكورين في الرد على الشبهة الثالثة فيما مضي، وهما:

أن الجحد مناط مخالف للمناط المذكور في الآية وهو مجرد الامتناع عن الحكم بما أنزل الله، والامتناع نوع من أنواع الكفر الأكبر كما أن الجحد نوع آخر منه، والامتناع هو سبب كفر إبليس، فإنه كَفَر بامتناعه عن السجود (فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) البقرة: 34، والامتناع هو سبب كفر مانعي الزكاة كما قال أبو بكر رضي الله عنه [والله لو منعوني عقالا] [4] ، ولم يقل (لو جحدوا) . فالجحد والتكذيب كُفْر كما أن الامتناع كُفْر أيضا كما قال ابن تيمية [بل إذا كان الكفر، يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب] [5] .

والسبب الثاني: أن الجحد مشترط للتكفير بالذنوب غير المكفرة كالربا والزنا والخمر ونحوها أما الذنوب المكفرة التي ورد النص بأنها كفر أكبر كما هو الحال فيمن لم يحكم بما أنزل الله فهذه يكفر الشخص بمجرد فعلها، واشتراط الجحد للتكفير هنا هو قول غلاة المرجئة الذين أكفرهم السلف كما ذكره ابن تيمية [6] ، وقد فصلت هذا في مبحث الاعتقاد. أما ما ثبت كفر فاعله أو تاركه فإنه يكفر بمجرد الفعل أو الترك وإن كان مقرًا بالوجوب، قال ابن تيمية - عن تارك الصلاة - [وأكثر السلف على أنه يُقتل كافرًا، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها] [7] ، وقد نقل ابن القيم في كتابه (الصلاة) إجماع الصحابة على ذلك. وقال ابن تيمية في مانعي الزكاة [وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا

(1) (مدارج السالكين) 1/ 365، ط دار الكتب العلمية، ط 1

(2) (تفسير الطبري) 6/ 247

(3) (مدارج السالكين) 1/ 365

(4) الحديث متفق عليه

(5) (مجموع الفتاوى) 7/ 292

(6) (مجموع الفتاوى) 7/ 205 و 209

(7) (مجموع الفتاوى) 28/ 308

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت