فهرس الكتاب

الصفحة 1125 من 1285

مرتدين، وهم يقاتَلون على منعها وإن أقروا بالوجوب] [1] . فالتفريق بين الجاحد والمقر بالوجوب في الذنوب المكفرة لا أثر له و مخالف لإجماع الصحابة، فقد وصف ابن تيمية هذا التفريق في حق تارك الصلاة بأنها فروع فاسدة لم تنقل عن الصحابة [2] ، ونقل عنه علماء الدعوة النجدية قوله [وقال أبو العباس أيضا في الكلام على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها، هذا لم يُعهد عن الخلفاء والصحابة] [3] .

والحاصل أن الصحيح الذي ذكره ابن القيم رحمه الله غير صحيح كما تبيّن لك.

2 -وقال شارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: [وهنا أمر يجب أن يُتفطَّن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية ً: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرًا: إما مجازيًا، وإما كفرًا أصغر، على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله غيرَ واجب، وأنه مخيَّر فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله: فهذا كفرٌ أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًا، أو كفرًا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه مغفور] [4] . ونقل الألباني في تعليقه على متن العقيدة الطحاوية هذا الكلام وأقرَّه كما ذكرت في مبحث الاعتقاد. وابن أبي العز في كلامه هذا هو غالبا قد نقل كلام ابن القيم المذكور في (مدارج السالكين) ولكن تصرف في عبارته، فإنه متأخر عنه في الوفاة. ولهذا فإن الرد عليه هو كالرد على كلام ابن القيم سواء بسواء.

فقوله [إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب] فهذا هو الجحد، وتعليق الكفر الأكبر على هذا الشرط ونحوه من التخيّر والاستهانة هو حيدة عن نص الآية بوضع مناط للكفر غير الوارد فيها، كما أنه تنزيل للحكم بغير ما أنزل الله منزلة الذنوب غير المكفرة مع أن الله وصفه بأنه كفر أكبر.

وقوله [وإن اعتقد وجوب الحكم .... وعدل عنه ... كفر أصغر] فاعتقاد وجوب الحكم مع العدول عنه هي صورة سبب نزول الآية وحكم الله بأنها كفر أكبر لا أصغر.

وكلام ابن القيم وابن أبي العز هنا هو عمدة المعاصرين الذين أخطؤوا في هذه المسألة فقد قلدوهما في هذا التقسيم والتفريق وزادوا عليهما أمورًا أخرى، ومن ذلك:

3 -الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ قال: [وأما القسم الثاني من قِسْمي كُفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية «كفر دون كفر» وقوله أيضا «ليس بالكفر الذي تذهبون إليه» . وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى] [5] . والرد عليه من وجوه:

أولها: لم يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما ما نسبه إليه هنا كما ذكرته في الرد على الشبهة الثانية.

وثانيها: أن من روي عن ابن عباس هذه المقالة لم يقل إنه قالها فيمن حكم بغير ما أنزل الله لشهوة وهوى معتقدًا أنه

(1) (مجموع الفتاوى) 28/ 519

(2) (مجموع الفتاوى) 22/ 48

(3) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية - كتاب المرتد - 8/ 35)

(4) (شرح العقيدة الطحاوية) ص 363 - 364، ط المكتب الإسلامي 1403هـ

(5) من رسالته (تحكيم القوانين) ص 7

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت