فهرس الكتاب
الحق، وإنما هذا شيء ركّبه المعاصرون على كلام ابن عباس ليوفقوا بينه وبين الكفر الأكبر الذي يدل عليه نص الآية، فجعلوا الكفر الأكبر في حق الجاحد وجعلوا الكفر الأصغر في كلام ابن عباس في حق من اعتقد الوجوب وحكم بغير ما أنزل الله لهوى، فجعلوا الحكم بغير ما أنزل الله بمنزلة الذنوب غير المكفرة كالزنا ونحوه التي لم يصفها الله بالكفر الأكبر في حين وصف الله الحكم بغير ما أنزله بأنه كفر أكبر، فأداهم هذا التوفيق بين نص الآية وبين مقالة ابن عباس إلى مصادمة ظاهر نصها.
وثالثها: أن الصورة التي وصفها الشيخ ابن إبراهيم بأنها كفر أصغر هي نفس صورة سبب نزول الآية وقد وصفها الله بأنها كفر أكبر، وصورة السبب قطعية الدخول في النص، فقوله هذا خطأ قطعًا. فقد قال: من حكم بغير ما أنزل الله لهوى وهو معتقد أن حكم الله هو الحق، والذين أكفرهم الله في الآية أقروا بحكم الله في الرجم وهذا تعبير عن اعتقادهم أنه حق من عند الله، ولم يحكموا به إلا لهوى، وذلك لأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فلابد أن يكون متبعًا للهوى، كما قال تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) المائدة: 49، وقال تعالى (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) ص: 26، وقال تعالى (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ) القصص:50، وقال تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) الجاثية: 18. فهذه الآيات وما في معناها تبين أن كل من لم يحكم بما أنزل الله وكل من لم يتبع الرسول وكل من لم يتبع الشريعة فلا بد أن يكون متبعًا للهوى، فهُما أمران لا ثالث لهما: حق أو هوى. فالذين أكفرهم الله أقروا بوجوب حكمه ولم يحكموا به اتباعًا للهوى، فالقول بأن من فعل هذا لا يكفر كفرًا أكبر مصادم للنص [1] .
(1) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[وكل أحد يعلم أن اتباع الهوى يكون في المعصية كما يكون في الكفر، وعدم التفريق بين هذا وذاك زلة عظيمة.
فالزاني حين يزني وشارب الخمر والسارق، كلٌّ مخالف لشرع الله ومتبع لهواه.
ومن كفر بالله وسجد للصنم أو سب الدين أو شرّع مع الله، مخالف لشرع الله ومتبع لهواه أيضًا.
فالذين أكفرهم الله في آيات المائدة، نعم؛ قد أقروا بحكم الله في الرجم، وتركوا تحكيمه اتباعًا للهوى، ولكن كان ذلك اتباعًا وتحاكمًا منهم لشرع آخر (تحاكموا إلى الطاغوت) .
والذين يمثل بهم محمد بن إبراهيم وَمِنْ قبله ابن القيم وابن أبي العز ممن أقروا بحكم الله، والتزموه ودانوا به، ثم لم يحكموا به في الواقعة كان ذلك اتباعًا للهوى أيضًا لكن كمعصية، دون اتباع أو تحكيم لشرع آخر.
ولا بدَّ من التفريق.
ولعدم تفريق المصنف بين الصورتين تراه هنا يرمي الشيخ محمد بن إبراهيم بالتناقض لمَّا قال في موضع آخر من فتاويه: (لو قال من حكّم القانون أنا أعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له ... الخ) .
والصواب أنه لم يتناقض، بل كلامه الأخير في الحكم بغير ما أنزل الله: (التحاكم إلى القوانين) .
والأول في ترك حكم الله في الواقعة كمعصية، لمن كان ملتزمًا بحكم الله في الأصل ولم يتحاكم إلى شرع سواه، وهو الذي يشترط فيه الأكثرون الجحد للتكفير، واشترطه ابن إبراهيم، بينما بيّن أنه لا أثر لدعوى صحة الاعتقاد في التكفير، في النوع الآخر الطاغوتي.
وكذلك اعترض (ص888) على تفصيل الدكتور عمر عبد الرحمن في كتابه"أصناف الحكام وأحكامهم"وبالتحديد على النوع الأول الذي ذكره الدكتور ولم يكفّره، لأنه ملتزم بشرع الله، وترك حكم الله في الواقعة عصيانًا لا اتباعًا لشرع آخر، فاستدل المصنف بآية الأنعام: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121. وذكر أن الكفر فيها وفي آية المائدة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) (ترتب على الحكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة، فدخول هذه الصورة في حكم النص، قطعي) أهـ.
ومعلوم في سبب نزول آية الأنعام أنها تتكلم فيمن اتبع تشريعًا غير تشريع الله، فلا خلاف في أن مثل هذا يكفر دون اشتراط الجحد.
أما الصورة التي ذكرها الدكتور عمر عبد الرحمن، فهي صورة القاضي الملتزم بشرع الله الذي يدين به ولا يتبع شرعًا سواه، وإذا ترك حكم الله في الواقعة تركه عصيانًا، وهي الصورة التي يمثل بها أكثر من يشترطون الجحد من العلماء المحققين.
أما صورة الحكم الطاغوتي التشريعي، فهذه هي الصورة التي لا يشترط الجحد فيها لأجل التكفير، إلا المرجئة، ومنه يتضح تسرّع المصنف بقوله (ص659) عن الدكتور عمر عبد الرحمن في هذا الموضوع على وجه الخصوص: (والشيخ الذي ذكرته له كتاب بعنوان"أصناف الحكام وأحكامهم"يأتي نقده في المبحث الثامن في موضوع الحكم بغير ما أنزل الله إن شاء الله وهو على نفس القول الأول في الإرجاء) أهـ.
ولذلك فإنّ استشهاد المصنف بعد ذلك (ص888) بكلام ابن كثير في تفسير (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) المائدة: 50 وبقوله بعد أن ذكر ياسق التتار: (فمن فعل ذلك فهو كافر) قال المصنف: (ولم يقل فمن اعتقد أو فمن جحد) أهـ.
نقول: هذا صحيح ولا يلزم أن يقال أو يشترط مثل ذلك في تحكيم شرائع الكفر أو التشريع مع الله وسائر الأعمال والأقوال المكفّرة.
ولكن إيراده في الرد على النوع الأول الذي ذكره الدكتور عمر فَكّ الله أساره، غير سديد كما تبين لك.
وكذا (ص877) في ردّه على الأستاذ محمد شاكر الشريف الذي وضع شروطًا ثلاثة لا يكفر معها من ترك الحكم بما أنزل الله، وإن سمّاه (الحاكم بغير ما أنزل الله) فإن شروطه تفصح عن أنه لا يعني صورة الحكم الطاغوتية؛ وملخصها:
1)أن يكون ملتزمًا ظاهرًا وباطنًا بكل حكم وتشريع جاء عن الله.
2)أن يكون مُقِرًّا معترفًا بأنه حين ترك حكم الله في الواقعة المعينة صار آثمًا، وأنّ حكمه خطأ وحكم الله هو الصواب.
3)أن يكون الحكم المخالف (أي الذي حكم به لمّا ترك حكم الله) حكمًا في وقائع الأعيان وليس في الأمور الكلية العامة.
وقال المصنف عقبه: (وأراد بوقائع الأعيان: الحكم في قضية معينة، وأراد بالحكم في الأمور الكلية العامة: وضع التشريع المخالف لشريعة الإسلام، انظر كتاب(إن الله هو الحكم ) ) أهـ.
والمصنف يعرف أن الأستاذ اشترط هذا الشرط الواضح، ومع هذا فقد قال: (وحاصل كلامه يرجع إلى كلام من سبقه - الدكتور عمر عبد الرحمن) أهـ.
واعتبر الشرط الثالث تعليقًا من الكاتب لمناط التكفير في هذه المسألة بالتشريع. مع أن كلام الأستاذ يحتمل أيضًا متابعة المشرعين أو تحكيم التشريعات الباطلة.
وقال في ردّه عليه: (فإن الله حكم بالكفر فيها - أي آية:(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) - على من تركوا حكمه في وقائع الأعيان - حد الرجم - ... ) أهـ.
والصواب كما عرّفناك: أنهم تركوا جنس حكم الله في زنا المحصن (الرجم) واجتمعوا في ذلك على تشريع آخر حكموا به بدلًا من حكم الله.
وهذا يختلف كل الإختلاف عمّا يمثّل به كثير من المتقدمين والمتأخرين في الحاكم بشرع الله إذا عصى وترك حكم الله في الواقعة، دون أن يتبع شرعًا آخر، وهي الصورة التي يصرّ المصنف على إدراجها تحت النوع الكفري، بل ويجعلها صورة سبب النزول.
بل يصف جميع من فرّقوا بين الصورتين، واشترطوا الجحد للتكفير في الصورة غير المكفّرة، بأنهم قالوا بمقالة غلاة المرجئة الذين يشترطون الجحد للتكفير بالذنوب المكفّرة.
ولا شك أن هذه مجازفة قد يدخل فيها من اشترط مثل ذلك من السلف، وهذه الصورة من الحكم التي يصفها العلماء بأنها معصية لا يكفر فاعلها إلا بالجحود أو الإستحلال، يرتكبها فاعلها في الواقعة، كمعصية يتأثّم في فعلها ويعلم أنه مخطىء، وهو في الأصل محكّم لشرع الله، وهو منهجه ودينه الذي يدين به.
وهذه لا تشبه بحال صورة من نبذ شرع الله ولو في حكم واحدٍ من أحكامه سبحانه، وتولّى عنه واتبع شرع الطاغوت، فهذه صورة من صور التولّي والإعراض والامتناع عن حكم الله والتحاكم إلى الطاغوت.
ولذلك كان كلام المصنف أسدّ حين جعل (ص881) مناط التكفير هو الامتناع عن الحكم فقال: (والامتناع هو سبب كفر مانعي الزكاة) . أهـ.
وذكر امتناع إبليس من السجود وهو كفر الإباء (إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) البقرة: 34 وقال: (والإمتناع هو سبب كفر مانعي الزكاة"، وذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه:(والله لو منعوني عقالًا) . وقول ابن تيمية أن الكفر"يكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بدون تكذيب) أهـ. فهذا أسدّ وأدقّ من دندنته حول مطلق الترك لحكم الله الذي تقدم مرارًا، فإن لفظة الترك تشترك فيها المعصية والتولي الكفري، ولا بدّ من التفريق، ثم نحن لسنا مضطرين إلى الخوض في صورة الترك كمعصية ..
فواقع الحكم اليوم طاغوتي صريح في الكفر، حيث جمع الحكام فيه بين التولّي عن شرع الله، والامتناع عن تحكيمه، مع التشريع مع الله والتحاكم إلى الطواغيت المتفرقة على كافة المستويات المحلية والدولية في جميع نواحي حياتهم.
وكذلك قال (ص885) : (فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب الرشوة كفر أكبر لأنه صورة سبب النزول) أهـ.
وذلك بعد أن ذكر أن الله وصف اليهود بأنهم"أكّالون للسحت). وساق رواية الطبري في أنّ ملكًا لليهود ترك رجم قرابته، ثم أراد رجم غيره فقام دونه قومه، فاصطلحوا عندها بينهم على عقوبة دون الرجم."
ثم قال: (فالقرابة كانت أول ما تركوا حكم الله لأجله، فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب قرابة، كفر أكبر لأنه داخل في صورة سبب النزول) أهـ.
فلو أراد المصنف بالحكم بغير ما أنزل الله هنا، التحاكم إلى الشرع المخترع (الطاغوت والقانون) ، فصواب؛ إذ ذلك كفر سواء كان لرشوة أم لقرابة أم لهوى أم لدنيا أم لغير ذلك.
وإذا أراد بذلك ما تقدم مرارًا من كلامه، في ترك حكم الله كمعصية في الواقعة لرشوة أو لقرابة، من حاكم ملتزم بشرع الله ولا يدين بغيره، فليس بصواب؛ وهو الأمر الذي ردّ فيه كلام العلماء مرارًا.] النكت اللوامع ص (24 - 28)