فهرس الكتاب

الصفحة 1129 من 1285

أحدهما: أن هذه مناطات مكفرة غير المناط المكفر الوارد بالآية.

والثاني: أن هذه شروط للتكفير بالذنوب غير المكفرة لا المكفرة كالحكم بغير ما أنزل الله.

وأضيف هنا ثلاثة أمور:

الأول: قولهم إن من حكم بغير ما أنزل الله بسبب الرشوة وهو يعتقد تحريمه أي يعتقد أن حكم الله حق فكُفْره أصغر، هذا خطأ مخالف لنص الآية، فالذين أكفرهم الله (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 كانوا مقرين بحكم الله وكانوا يقبلون الرشوة للحكم بغيره كما وصفهم الله بقوله (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) المائدة: 42، وقال تعالى (وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44. ولهذا لما سُئل عبد الله بن مسعود عن الرشوة في الحكم، قال: ذاك الكفر، وتلا هذه الآية. فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب رشوة كفر أكبر لأنه صورة سبب النزول (المقدمة السابعة) .

الأمر الثاني: نفس الصورة السابقة ولكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله قرابته من المحكوم عليه، وهذا لا يمنع من تكفيره أيضا لأنه داخل في سبب نزول الآية فلا بد أن يشمله حكمها، وذلك لأن الطبري رحمه الله ذكر في إحدى روايات حديث سبب النزول عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه [فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟ قال زني ابن عم مَلِك فلم يرجمه، ثم زني رجل آخر في أسرةٍ من الناس، فأراد ذلك الملك رجمه، فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عم الملك، فاصطلحوا بينهم على عقوبة دون الرجم، وتركوا الرجم) الحديث] [1] . فالقرابة كانت أول ما تركوا حكم الله لأجله، فالحكم بغير ما أنزل الله بسبب قرابة كفر أكبر لأنه داخل في صورة سبب النزول (المقدمة السابعة) .

والأمر الثالث: قولهم إن استحل الحكم بغير ما أنزل الله كَفَر كُفْرًا أكبر، هذا حقٌ كما أن الكفر بجحد الحكم حق، ولكن ليس الاستحلال والجحد شرطين للتكفير كما سبق بيانه لأن الحكم بغير ما أنزل الله مناط مكفر بذاته وصفه الله بالكفر الأكبر ومثل هذا لا يفتقر للجحد أو الاستحلال ليصبح مكفِّرًا. ومع ذلك فإني أضيف هنا أن الحكم بالقوانين الوضعية هو استحلال صريح لما حرّمه الله من المحرمات القطعية، وقد ذكرت هذا في المقدمة السابعة عشرة بالتفصيل فراجعه، وقال ابن تيمية رحمه الله إن من حلل الحرام المجمع عليه كفر بالإجماع [2] .

هذا، وقد رددت على الأقوال السابقة المتضمنة لأخطاء متعلقة بمناط الكفر الوارد في الآية بشيء من التفصيل، والأقوال التالية من السادس حتى الحادي عشر مشابهة لما مضى في نفس الأخطاء، ولهذا سأسردها سردًا والرد عليها كالرد على ما سبق. وهي:

6 -الشيخ محمد الصالح بن عثيمين قال [الحكم بغير ما في كتاب الله وسنة رسوله يصل إلى الكفر بشرطين: الأول: أن يكون عالما بحكم الله ورسوله، فإن كان جاهلا به لم يكفر بمخالفته. الثاني: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله اعتقاد أنه حكم غير صالح للوقت وأن غيره أصلح منه، وأنفع للعباد، وبهذين الشرطين يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا مخرجا عن الملة، لقوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 وتبطل ولاية الحاكم، ولا يكون له طاعة على الناس، وتجب محاربته، وإبعاده عن الحكم.

أما إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم به أي بما أنزل الله هو الواجب، وأنه أصلح للعباد، لكن خالفه

(1) (تفسير الطبري) 6/ 233

(2) (مجموع الفتاوى) 3/ 267

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت