فهرس الكتاب

الصفحة 1145 من 1285

شرعا متبعًا يحكمون به ويتحاكمون إليه مع دعواهم الإسلام، ثم قال ابن كثير [وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزّلة على بعباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزّل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدَّمها عليه؟ من فعل ذلك كَفَر بإجماع المسلمين. قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 50، وقال (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء:65] [1] .

(ب) وفي تفسير قوله تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 50، قال ابن كثير رحمه الله [ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) المائدة: 50 أي يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: 50، أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء] [2] .

وهنا ستة تنبيهات على هذه الفتوى:

-التنبيه الأول: أن فتوى ابن كثير هذه منذ سبعمائة سنة تنطبق على واقعنا المعاصر تمام الانطباق، وأخطأ من جعلها خاصة بالتتار، فإن فتواه عامة شاملة لكل من خرج عن حكم الله تعالى إلى الحكم بآراء الرجال، وهذا القول ينطبق تمامًا على القوانين الوضعية فإنها خروج عن حكم الله إلى الحكم بآراء الرجال وقوانينهم التي اخترعوها، ثم إن ابن كثير ضرب مثلين لذلك: أحدهما قوله [كما كان أهل الجاهلية يحكمون به .... ] والثاني قوله [وكما يحكم به التتار من السياسات .... ] ، فتبيّن بذلك أن ذِكره للتتار هو من باب ضرب المثل لا من باب تخصيص الفتوى، ولذلك فقد ختم فتواه بصيغة عموم، وهي الجملة الشرطية المصدّرة بمَنْ الشرطية فقال [فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله] فهذا نص عام منه يقطع التأويلات الباطلة لفتواه رحمه الله تعالى.

-والتنبيه الثاني: على قوله - عن الياسق - [وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه] . وهذا الوصف ينطبق على القوانين الوضعية المعمول بها في بلاد المسلمين، فإنها مشتملة على ضلالات وأهواء ومشتملة أيضا على بعض القوانين الإسلامية، وهذا لا يخرجها عن كونها قوانين كافرة، لأن من آمن ببعض وكَفَر ببعض فقد كَفَر بالكل كما سبق في أول ما نقلته عن ابن تيمية آنفا. ولأن الله أكفر اليهود لما بدّلوا حدًا واحدًا من حدوده (الرجم) فكيف بالقوانين

(1) (البداية والنهاية) لابن كثير، 13/ 119

(2) (تفسير ابن كثير) 2/ 67

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت